RSS

‘الأصدقاء’.. بوابة العبور فوق أسوار الخوف قراءة نقدية بقلم: أحمد طوسون

‘الأصدقاء’.. بوابة العبور فوق أسوار الخوف

تبدو القيمة الهامة التي تتعمق لدى الطفل المتلقي بأنه قادر وحده على التخلص من مخاوفه كما فعل أبطال حكايات أميمة عز الدين.

ميدل ايست أونلاين
بقلم: أحمد طوسون
يعيش كثيرون وبداخلهم أسوار عالية تحجب عنهم نور الشمس ودفئها، وهواء البحر ونسيمه وتحرمهم من الاستمتاع بألوان قوس قزح المبهجة والتحليق عاليا كطائر وملامسة نتف القطن الندية ناصعة البياض.

كان بمقدورهم الإمساك بسعادات صغيرة لولا تلك الأسوار التي كبرت معهم بينما كان من الممكن التخلص منها لو اكتشفناها في الصغر وقمنا بمواجهتها وعلاجها.

تلك الأسوار تلمستها المبدعة أميمة عز الدين في كتابها “الأسوار البيضاء” الموجه للأطفال ووضعت يديها على بعض هذه الأسوار التي تمثلت في عدد من المخاوف التي تطارد الأطفال، “كالخوف من الكلب” عند خالد، “والخوف من الظلام” عند سارة، “والخجل وعدم التكيف” عند كريم، وأسمتها بالأسوار البيضاء لأنها أسوار غير مرئية من ناحية، وفي استخدام دلالي من ناحية أخرى يرتبط بتوظيف صفحات الكتاب فنيا داخل النص وجعلها أحد هذه الأسوار التي تعيق أبطال حكاياتها للتخلص من مخاوفهم والانطلاق إلى الحياة بشجاعة ودون مخاوف.

“الصفحات تبدو كأسوار عالية ناعمة من البلاط الأبيض (هكذا قالت سارة التي ضحكت) وسرعان ما انتقلت عدوى الضحك إليهم جميعا وهم يتسلقون الأسوار البيضاء في إصرار وثقة”.

كما تم توظيف الغلاف الخلفي في وصف العلاج الناجع للتخلص من تلك المخاوف بمقولة تتصدر الغلاف الخلفي: “أمممم… الخوف….!!!! ذلك الوحش الخيالي الأسطوري وحدها الشجاعة الحقيقية تستطيع أن تهزمه وتقضي عليه” التي تبدو كمقولة كبرى للنص تحاول أن ترسخ في ذهن الطفل ما سيتولد عن قراءة الكتاب من قيم ومعانٍ.

فكلمة “الشجاعة” يسهل ترديدها طيلة الوقت، لكن العمل بها صعب على الكبار قبل الصغار إذا لم يتم إعداد نفسية الطفل لمواجهة مخاوفه، لذا كان حرص الكاتبة منذ البداية على أن تقرر بسلاسة من خلال سياق السرد القصصي وإمكاناته الفنية التي تتكفل باستجابة جمالية لدى الطفل أن تلك المخاوف التي ربما كان يشعر بها الطفل المتلقي مخاوف طبيعية يشاركونه فيها الكثيرون ومعهم أبطال الحكاية، حتى وإن اختلفت مظاهر المخاوف وتعددت كالخوف من الحيوان، (الكلب) عند خالد، أو الخوف من الظلام (سارة)، أو الخجل وصعوبة التكيف مع الغرباء (كريم).

وقد يعمق هذه المخاوف عدم الاعتراف بها كما في حالة خالد الذي يخجل من الاعتراف بأنه يخاف من الكلب.. ” يتعمد إخفاء تلك الحقيقة عن نفسه وعن الآخرين..! ولا يريد أن يبدو جبانا أمام نفسه والآخرين” هكذا وصف الكاتب حالة خالد، فالاعتراف بالمخاوف أولى خطوات العلاج والمواجهة، وتحرص الكاتبة أن تعدد الأمثلة داخل الحكاية (الحكايات داخل الحكاية الأصلية) ليصل إلى ذهن المتلقي من الأطفال أنه يشارك الكثيرين تلك المخاوف فلا يخجل كحالة خالد من الاعتراف بمخاوفه والتصريح بها ليبدأ في مواجهتها.

ولترسيخ هذا النهج حرصت الكاتبة أن تمرر إلى ذهن المتلقي أن الكبار أيضا يعانون من المخاوف (حتى ولو كان الكاتب الذي يكتب لهم الحكايات بما فيها من نصح وإرشاد وربما كان هنا يرمز بصورة أو بأخرى إلى المعلم ولكن في نمطه غير التقليدي الذي لا يرتكز على التلقين المباشر وإنما يعتمد على مشاركة الطفل في البحث عن الحلول).

فالكاتب داخل النص يتململ من كتابة حكاية ويتركها قبل أن تكتمل إلى حكاية أخرى لا تعجبه فينتقل إلى حكاية جديدة وتطل المخاوف برأسها حين يعجز الكاتب عن وضع نهايات لحكاياته وينتظر أبطال حكاياته ليزورونه في أحلامه ليساعدونه في وضع النهايات للحكايات التي لم تكتمل.

فرمز الكبار في الكتاب لا يتعالون على الأطفال ويتعاملون معهم بمنطق الناصح الأمين الذي يعرف كل شيء وإنما يتعاملون وفق نهج تربوي قائم على فكرة احتياجنا جميعا إلى المشاركة والتعاون لإنجاح العمل.. “وذهب للنوم وهو يحلم بهم ويتمنى لو زاروه في أحلامه وتحدثوا إليه حتى يستطيع إنهاء ما كتبه”.

كما كان علاج أبطال حكاياته في خروجهم من عزلة الصفحات البيضاء ومشاركتهم تجارب الآخرين واكتشافهم أن مخاوفهم ربما تكون أقل خطرا من مخاوف الآخرين ويمكنهم مواجهتها والتغلب عليها.. “هبت نسمات عابرة ألقت بالأوراق على الأرض اختلطت بعضها ببعض”.

وحين تبادل أبطال الحكايات أماكنهم وصفحاتهم اكتشف خالد: “أن الجري من الكلب يجعله يطارده وأنه من الممكن أن يصادقه ويحضر له بعض عظام الدجاج المتبقي من الغداء وهو أهون من الخوف من الظلام الذي تخشى سارة منه”، واكتشفت سارة حين خرجت من صفحتها وتركت أخاها وأسرتها أنها برغم إضاءة المكان وتبدد الظلمة شعرت بوحشة أكبر.. “المكان موحش بدون أصدقاء وأنه لا يقل ظلاما عن الذي تخشاه”.

أما كريم الذي رفض محاولات سمير لمصادقته والاقتراب منه، حين صار وحيدا اكتشف أن الخوف الحقيقي عندما نعيش بلا أصدقاء.. “أما كريم فلقد ذهب يبحث بنفسه عن سمير كي يأخذ هديته”.

الصداقة.. أنها السر الكبير الذي احتفظت به أميمة عز الدين لأبطال حكايتها لتنتشلهم من مخاوفهم وتعينهم على مواجهتها بشجاعة.. “كانت الصفحات شاهقة البياض وأسوارها عالية حاول أن يتسلقها بشجاعة مرددا بصوت مرتفع: الأصدقاء… الأصدقاء”.

“العجيب أن خالد وكريم وسارة اعتبروه نداءً عليهم ففرحوا كثيرا به وفعلوا مثله….”

إن قيمة الصداقة التي تساعدنا على مواجهة مخاوفنا والتعاون على حلها قيمة أساسية داخل النص لا تقل عن حرص الكاتبة على التأكيد أن كثيرا من المخاوف لا أصل لها إلا من صنع مخيلتنا كما هو الحال مع سارة حين أفزعها انقطاع النور فأخذت تصرخ في هيستيريا وتوقظ كل من في البيت حتى يكتشف القارئ الصغير أن سارة وقعت ضحية مخاوفها وأن الكهرباء لم تنقطع وإنما مخاوف سارة هي التي صورت لها ذلك، “ذهب أحمد ليرى أخته سارة التي سكت حسها فجأة والخجل يعتريها من فوقها لتحتها وأخذت تعتذر بشدة عما بدر منها وقد نبهتها أمها إلى عصابة العين السوداء التي نزعتها برفق”.

رسوم الكتاب للفنانة هيام صفوت التي برعت في تجسيد النص من خلال رسوم بسيطة دالة ومعبرة تتداخل أحيانا مع النص بتقنية السيناريو المرسوم لتساعد الطفل في التفاعل مع الحدث.

لكن أهم ما يستوقفك في كتاب “الأسوار البيضاء” للكاتبة أميمة عز الدين (الإصدار الأول للكاتبة الموجه للأطفال والصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع 2011) اللعبة الفنية التي جعلت من كاتب القصة أحد شخوصها لكنه في الوقت ذاته ليس بديلا عن السارد أو الراوي العليم الذي يروي حكايات الكتاب ويروي عن الكاتب نفسه وقلقه أثناء الكتابة، كما فعل في نهاية الحكاية الأولى.. “تململ الكاتب في جلسته وهو يتأمل ما كتبه زفر بقوة وهو يضع القلم جانبا بعد أن شعر أنه لا يطاوعه وقرر أن يكتب حكاية جديدة”، أو في نهاية الحكاية الثانية..”، لم تعجبه حكاية سارة وقرر أن يجرب قلمه في حكاية أخرى..”، أو في نهاية الحكاية الثالثة.. “كان الكاتب مشغولا بأبطاله الصغار الذين يحبهم كثيرا ويظل ليالي طويلة يكتب لهم القصص الرائعة حتى شعر بالتعب والإرهاق الشديد وتناثرت الحكايات على مكتبه وذهب للنوم وهو يحلم بهم ويتمنى لو زاروه في أحلامه وتحدثوا إليه حتى يستطيع إنهاء ما كتبه…”.

ورغم وعينا كقراء بأننا لسنا بصدد لعبة كسر الإيهام التي تستخدم كثيرا وبخاصة في المسرح أو لعبة الكتابة عن الكتابة التي تستخدم في أدب الكبار إلا أنه سيظل لهما صداهما داخل وعي الطفل في تنبيهه إلى أننا أمام قصة متخيلة من صنع كاتب يتجسد بوضوح داخل الحكايات ويوقف بإرادته تدفق ألحكي لينتقل من حكاية لأخرى دون أن يضع نهاية لحكايته التي كتبها قبل أن ينتقل لحكاية أخرى.

ذلك الاستخدام يبدو هاما في الحفاظ على التشويق لدى الطفل لمعرفة الحكاية التي لم تكتمل.

لكن تتبدى أهمية أكبر – في ظني – في توظيف اللعبة الفنية للانتقال ما بين هو واقعي في الحكايات إلى ماهو عجائبي بشكل سلس غير صادم لوعي الطفل ولا تجعله يتساءل عن النهاية العجائبية للقصة رغم واقعية الحكايات الثلاثة التي يرويها السارد.

لأن اللعبة الفنية جعلتنا أمام لعبة ثلاثية الأبعاد (إيهام/ واقعية/ إيهام).. ثلاثة محاور رئيسية أولها حكايات ثلاثة يكتبها كاتب هو أحد أبطال القصة ” الإيهام” (فيكتشف الطفل أننا أمام قصة متخيلة من صنع كاتب حاضر بالنص)، والثانية أننا أمام حكايات واقعية يرويها الكاتب داخل القصة عن أطفال يستشعر القارئ الطفل أن الكاتب يكتب عنه هو أو عن أحد أصدقائه وعما يشعر به من مخاوف، لكن الكاتب لا يضع نهاية لتلك الحكايات “الواقعي” (تلك النهايات التي ينتظرها الطفل وتمثل إجابات عن أسئلة ستتبادر في ذهنه عن الحل الذي سيقدمه الكاتب لتلك المخاوف التي يتشارك فيها الطفل المتلقي مع أطفال الحكايات)، ثم أخيرا أمام نهاية عجائبية تناسب خيال الطفل يصنعها الأطفال أبطال الحكايات أنفسهم في غيبة الكاتب الذي كتب الحكايات وعجز عن أن يضع لها النهايات وانتظر أن يأتيه أبطال الحكايات في الحلم ليساعدوه في وضع نهاية للقصص التي كتبها، لكن أبطال الحكايات لا يملكون تلك الرفاهية التي يملكها الكاتب فكان عليهم أن يواجهوا مشاكلهم بأنفسهم دون أن ينتظروا حلا سحريا من الكاتب ويخرجوا من الصفحات البيضاء لمواجهة ما يظنونه من أخطار ومخاوف تتهددهم.

وتبدو القيمة الهامة التي تتعمق لدى الطفل المتلقي بأنه قادر وحده على التخلص من مخاوفه كما فعل أبطال الحكايات.

أحمد طوسون ـ قاص وروائي وكاتب أدب أطفال

 
أضف تعليق

Posted by في 25 ديسمبر 2011 in سرد

 

مثقفون مصريون يقرأون مشهد صعود الإسلاميين

مثقفون مصريون يقرأون مشهد صعود الإسلاميين

أشرف الصباغ: فوز تيار الإسلام السياسي الساحق في الانتخابات البرلمانية لا يعني أي شيء على خلفية تشابك الخريطة السياسية في مصر الآن.
انتصار عبدالمنعم: الاخوان استدعوا تاريخهم في سجون النظام السابق ليستدروا عطف المواطن البسيط، وليثبتوا أحقيتهم في الحصول على أصوات الناخبين.
ميدل ايست أونلاين
كتب ـ محمد الحمامصي
يشكل صعود القوى الإسلامية تهديدا مباشرا للحرية والعلم والحقوق الإنسانية بما فيها تلك التي كفلها الإسلام، فالتفسيرات المتطرفة والمتشددة التي ينطلقون منها تتنافى مع رحابة أفق صحيح الدين الذي يدعو الناس إلى التفكر والتدبر والتطلع لما يصلح شئون حياتهم، بل تتجرأ على سماحته وأخلاقه وسلوكه، حتى لقد وصل الأمر ببعضهم للتدخل في الملبس والمأكل والمسكن، ناهيك عن السياحة والأدب والفن والفكر، بل نجدهم الآن فيما بينهم منقسمين، يكيلون لبعضهم البعض الاتهامات.
الانتخابات التي شابتها الكثير من الفضائح بدءا بشراء أصوات الفقراء والجهلة والمحتاجين والكثير من محدودي الدخل واستخدم النقاب كوسيلة للتزوير ووصول الدعاية الانتخابية للإخوان المسلمين والسلفيين إلى داخل اللجان وليس أمامها فقط، كشفت عن كثير من عورات ما هو قادم في مصر.
على أية حال وحتى لا يكيل لنا البعض تهم الكفر والخروج على الملة وما شابه ذلك مما يريد من تعليقات سألنا مثقفين من مختلف التوجهات: كيف يقرأون النجاح الكبير الذي حققته القوى الإسلامية في الانتخابات البرلمانية المصرية؟ مؤكدين على أهمية الحيادية في القراءة، فكانت هذه ردودهم.
• ثورة جديدة أكثر خبرة
الكاتب والمترجم أشرف الصباغ أكد على فوز تيار الإسلام السياسي الساحق في الانتخابات البرلمانية (سواء المرحلة الأولى أو وفقا للنتائج النهائية للانتخابات) لا يعني أي شيء على خلفية تشابك الخريطة السياسية في مصر الآن. وأضاف “المعروف أن نجاح أي طرف، حتى ولو كان الليبراليون أو اليساريون، في ظل اصطفافات ومخاضات وتحديد مواقف غير مكتملة لا يمكن أن يضيف جديدا أو يؤثر على الأوضاع الحالية، لأنها أوضاع استثنائية في مجملها”.
ورأى الصباغ أن “تيار الإسلام السياسي في مصر يختلف جذريا عنه في تركيا وفي تونس. فالتياران الأخيران في دولتين علمانيتين. الأولى برلمانية والثانية رئاسية. إضافة إلى أن الأولى راسخة بالمعنى الدستوري، بينما الثانية تصيغ دستورها. وفي كل الأحوال هناك علاقات وطيدة بين راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة في تونس وبين حزب العدالة والتنمية في تركيا، لأن الغنوشي أحد منظري الحزب التركي. أما الإخوان المسلمون فهم ينتمون بدرجات ما إلى التيارات الإسلامية – النفطية في دول الخليج. ولا يمكن أن نتجاهل علاقات الإخوان بكل من قطر والسعودية الرسميتين، وتيار الوهابية في الخليج العربي، وبالذات في السعودية. وبالتالي لا يمكن أن ننتظر من الإخوان المسلمين دستورا علمانيا يفصل الدين عن الدولة ويحافظ على حقوق المواطنة والحريات الشخصية، والسبب يعود إلى جوهر أيديولوجية الإخوان وأية أحزاب يمكن أن تخرج من معطفهم”.
وقال: “الكثيرون تنبأوا بصدامات بين العسكر والإخوان على الرغم من شهور العسل المتكررة في علاقاتهما. ومن الواضح أن كل طرف يفهم الآخر جيدا، ولكن ليس إلى النهاية في بعض الأحيان، وهو ما يعجل أحيانا بالتصادم. فالمجلس استخدم الإخوان جيدا في ضرب الثورة بالدرجة الأولى وتحويلها عن مسارها، وكذلك في ضرب التيارات والقوى السياسية الأخرى طوال فترة ما بعد 25 يناير 2011. الإخوان وافقوا على ذلك من منطلقات سياسية برجماتية. ولكن العسكر من جانبهم أكدوا بما لا يدع مجالا للشك أنهم لن يتخلوا إطلاقا عن السلطة حتى لو عادوا إلى ثكناتهم وسلموا السلطة إلى حكومة (مدنية!). الآن ينادي الإخوان بما رفضوه في السابق، وهو أمر مسموح به في السياسة. ولكن من قال إن العسكر والقوى السياسية الأخرى لن تستخدم هذه الخطوة ضد الإخوان، وهذا ما يحدث بالضبط الآن؟”.
ونبه الصباغ إلى أنه “في اللحظة الراهنة يحاول الإخوان إعادة الحصان أمام العربة بعد أن شاركوا في خلط الأوراق ووضع العربة أمام الحصان، وذلك من أجل مكاسب تكتيكية بالمعنى السياسي. ولكنها انتهازية في الأساس. ولا مفر من صدام هائل بين المجلس العسكري والإخوان المسلمين، وكلها مسألة وقت”.
وأشار الصباغ إلى أن “المجلس العسكري يحاول استخدام منهج مبارك في ضرب الإخوان بالقوى السياسية الأخرى. ينجح أحيانا ويخفق أحيانا وفقا لسقف الوعود التي يمنحها لهذا أو ذاك الطرف أو طموحات هذا الطرف أو ذاك من القوى السياسية العتيقة المتهافتة على السلطة أو حتى الحصول على أي قطعة من الكعكة. أما القوى السياسية والحركات الثورية الجديدة فهي واعية تماما للعبة القديمة التي يكررها المجلس العسكري. وبالتالي لا تشارك إطلاقا في أي من المناورات السياسية الجارية ومصممة على مطالبها التي تم الإعلان عنها منذ 25 يناير. وكل الاحتمالات ما زالت مفتوحة، لأن كل الظروف استثنائية فيما يتعلق بوجود المجلس العسكري وحكومة الجنزوري وميدان التحرير واعتصمات مجلس الوزراء، بل وحتى بوجود مجلس الشعب بعد الانتخابات.. ظروف استثنائية تعني أن لا شئ ثابت أو قائم أو فعال إلى الآن”.
“البرلمان المصري لا يمكن أن يشكل أي حكومة وفقا للدستور، وللتعديلات الدستورية التي رحب بها الإخوان والسلفيون. لقد تراجع الإخوان عن ذلك بمجرد أن شعروا أنهم وضعوا أنفسهم في مأزق. لقد كانت مجرد مناورة سياسية من جانبهم لإحراج المجلس العسكري والقوى السياسية الأخرى، استنادا لما حققوه في المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية. والآن يجري تسطيح الصراع مع الإخوان وقصره على الحجاب والمايوه واحتساء الخمور والسياحة. ويبدو أن هذا التسطيح مطلوب الآن علما بأن أكثر من 80% من المصريات محجبات. و99% من المصريات لا ينزلن البحر بالمايوه. ومعروف أن المصريين على مدى السنوات الأربعين الماضية تحولوا إلى “حشاشين” وليس “خمورجية”. فأين المشكلة بالضبط. إن الإخوان من جانبهم يسهمون في حملة التسطيح هذه لأنها تبعد الأنظار عن قضايا جوهرية يضعونها نصب أعينهم في حال تمكنوا من إدارة شؤون مصر”.
وخلص الصباغ إلى أن “جميع الاحتمالات لا تزال مفتوحة، بما فيها الإطاحة بالمجلس العسكري، وانهيار المنظومة التشريعية، وقيام ثورة جديدة أكثر خبرة وحكمة وقوة. الاحتمال أيضا مفتوح بتلقي الإخوان المسلمين ضربة قوية لا من المجلس العسكري فحسب، بل من القوى السياسية العتيقة المتحالفة مع المجلس. ولا يمكن استبعاد أن يتحول المجتمع تدريجيا عن الإخوان لأسباب تخص الإخوان ومواقفهم ومنهجهم السياسي والحملات السياسية والإعلامية ضدهم”.
• التواطؤ سيد الموقف
ورأى الشاعر والناقد جمال القصاص أن التواطؤ، كان اللاعب الرئيس في الجولة الأولى لأول انتخابات برلمانية تجرى بعد ثورة 25 يناير والتي جرت وقائعها منذ أيام، وأسفرت عن اكتساح أخواني وصعود سلفي وحضور ضعيف وهامشي لبقية الأحزاب والتيارات السياسية.
وقال القصاص: “تحت مظلة هذا التواطؤ الذي نسج خيوطه بغباء المجلس العسكري الحاكم في البلاد، تم اغتيال شرعية الثورة، وتحولت إلى غنيمة سياسية، يمكن التفاهم حول أنصبتها وحصصها تحت ذريعة الاستقرار والتوازن واستعادة الأمن المفقود، واستطاع التيار الإسلامي بقيادة الإخوان المسلمين أن يلاعب المجلس العسكري ، تارة بمنطق الـ مع، وتارة بمنطق الضد، حتى وصل معه إلى نوع من التفاهمات السياسية، استند إليها في الاستئثار بالغنيمة، وأن يفرض قوته وسطوته على مشهد رخو، وأفق ثورة، لم يشتد بعد عودها، ولا تزال تبحث عن تربة نقية وصالحة للنمو”.
وأضاف “اتضحت خيوط هذا التواطؤ بشكل سافر في تحديد الشكل القانوني والهيكل التنظيمي الذي سيحكم مسرح العملية الانتخابية، بالجمع بين النظامين الفردي والقوائم، وبنسب قررت الثلث للأول والثلثين للثاني، ورغم ما يفرزه هذا الخلط من عشوائية، خاصة مع اتساع خريطة الدوائر الانتخابية، إلى أن شرط عدم جواز ترشح الحزبيين على قائمة النظام الفردي والذي شكل نوعا من الأمان، سرعان ما تبخر تحت ضغوط جماعة الإخوان على المجلس العسكري، ولو تم العمل بهذا الشرط ما كسب الإخوان 30 مقعدا فرديا في الجولة الأولى مرشحة للتزايد في دوائر ثلاث ألغيت فيها الانتخابات، بل لو كانت الانتخابات كلها بنظام القائمة كان من الصعب أن يحققوا هذا الاكتساح، الذي لم يكن مفاجئا بالنسبة لي وللكثير من المراقبين، وأيضا كنا تجنبنا هذا المشد العبثي في جولة الإعادة التي تمت في المرحلة الأولي، ودارت معظمها بين متنافسين من الإخوان والسلفيين”.
وأكد القصاص أن التواطؤ عززه مناخ سياسي متخبط انقلب فيه الهرم التقليدي للسلطة، وانحسر في مربع ضيق، تتنازعه من ناحية سلطات المجلس العسكري الحاكم ، وحكومة هشة بصلاحيات منقوصة، ومجلس استشاري مستحدث، وقضاء بطيء ورخو، وبرلمان عبثي في كف الغيب، ومن الناحية الأخرى، شرعية ثورية مفتقدة أو سرقت، وضللت، وثوار لا يحكمون، ويتمردون على دور المراقب الخانع”.
“في هذا المناخ كان طبيعيا أن يستثمر الإخوان المسلمون الظرف الانتخابي الهجين في استثمار رأس المال التنظيمي والاجتماعي الذي أسسوه منذ عقود، والاستفادة من تراكم خبراتهم التنظيمية والانتخابية والسياسية، في تحقيق التفوق والصعود المدوي على حساب قوى سياسية وأحزاب نمطية تكلست وشاخت، وهمشت تحت وطأة سنين طويلة من التشرذم والتفتت والجمود والعسف الأمني، بشكل أدى إلى إفقار الحياة السياسية في مصر”.
“أيضا كان طبيعيا أن يلعب الإسلاميون على وتر شرائح طبقية فقيرة كبيرة في المجتمع، فقدموا لهم الخدمات المختلفة لكسب أصواتهم، وهذه الشرائح للأسف لم تمتد لها أيدي الثورة، كما لم يبالي بها نظام مبارك”.
• فساد أربعين عاما
وقال الشاعر محمد فريدة أبوسعدة إن هذا الصعود يعود – في ما أرى – إلى فساد الحكم خلال أربعين عاما، أي منذ تصفية المشروع القومي الناصري، والتحالف مع خصوم هذا المشروع في الغرب وفى المنطقة العربية، الأمر الذي أدى إلي بيع القطاع العام، وتبنى الاقتصاد الحرّ في مرحلته المتوحشة، وسيطرة رأس المال على الحكم (أي الرجوع عن أحد أهم أهداف ثورة يوليو!) فتفشى الفساد وعادت الأمور إلى ما يشبه الوضع الاقتصادي قبل 1952، “أقلية تملك كل شىء وأغلبية لا تملك أي شيء، لقد صار أكثر من 40 % من المصريين تحت خط الفقر، كانت مصر حبلى بالثورة، وكانت بروفتها الأولى في أحداث يناير 77، لكن أحدا من الذين يحكمون لم يفهم وتمادوا أكثر، في ظل هذا الوجع الذي لم يعد يكفيه المسكنات التي أخذت شكل التسول من جهة والرشوة من جهة أخرى (كما في الصياح في عيد العمال: المنحة يا ريس!) كان الشعور بأن النظام الذي يدّعى انه ديمقراطي، ويضع في دستور 71 المادة الثانية (التي تقول إن مصر دولة إسلامية، وأن الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع)، هذا وغيره كثير كان يصنع مفارقة هائلة مع اضطهاد هذا النظام للإخوان المسلمين!
وكان رد الفعل هو تنامي شعور بقبول فكرة أن تجرب مصر هؤلاء المضطهدين من نظام فاسد، والذين كانوا – خلال الأربعين عاما – يعملون بصبر ودأب على تقديم الأعمال الخيرية للفقراء والمحتاجين الذين يزدادون مع تزايد الفساد والمفسدين. كان هذا الفوز متوقعا، ولم يكن ما سقط سوى نظام فاسد وحكم غير رشيد، ولعل أهم ما أرسته الثورة هو تداول السلطة عبر بطاقة الانتخاب، وهو مكسب جوهري، إذا أردنا أن نستعيد دور مصر الرائد في إقليمها.
• الهدف .. مصر دولة إسلامية
وأكد الكاتب الروائي أحمد أبو خنيجر أن فوز الإسلاميين لم يكن مفاجئا، وذلك لعدة أسباب، لعل أهمها القدرة التنظيمية والخبرة السابقة لدى تيار الإخوان، وتزايد أعداد السلفيين في مصر طوال العقود الماضية بسبب انسداد الأفق أمام الشباب المصري، مما دفع بالكثير منهم لاعتناق أفكار بعيدة عن السماحة والوسطية المصرية، كما أن الغالبية العظمى من المصريين، من يطلقون عليهم الكتلة الصامتة مشوشة بخصوص ما جرى في مصر من أحداث، ثورة ومحاولة إجهاضها وتحويلها لمجرد تغير وفي أعظم التقديرات مجرد انقلاب، وبالتالي لم تتعرف هذه الجماهير وسط الألعاب والخداع على القوى الجديدة الناشئة في مصر، أو حتى اختيار من قاموا بإحداث هذه النقلة في التاريخ المصري، وبالتالي تغلبت على اختياراتهم العاطفة الدينية، والمشحونة بالدعاية الهائلة للتيارات الإسلامية واستخدامها بشكل تحريضي سلبي، يعد الناس باستعادة الأمجاد القديمة لتاريخ الأمة الإسلامية فى مقابلة فاضحه لكل التيارات اللبرالية ودعاة العلمانية والاشتراكية الكافرة.
وأضاف “الغرض هنا هو تحويل مصر لدولة إسلامية، وكأنها كانت من قبل كافرة، وهو ما جرى يوم الاستفتاء، والذي أطلق عليه واحد من مشايخهم غزوة الصناديق في حينه، هو نفس الأداء والزهوة التي يتحرك بها من يستغلون الدين، وهو في ظني ما أصاب الكثير من التيارات الأخرى والقوى الثورية بالإحباط؛ وأعتقد إن ذلك ليس صحيحا، فالكثير أيضا يقع على كاهل القوى الليبرالية والنخب المثقفة، التي أكتفت بالفرجة والنقاشات المتشنجة في الفضائيات والاختلاف داخل ميادين التحرير، ولم تسع جادة للتواجد على الأرض بين الناس بشكل حقيقي وملموس، ومن الصحيح أيضا أن الوقت لم يكن فى صالح هذه القوى، على أي حال فالمصريون الذين ظلوا طوال تاريخهم ينتهجون منهجا بعيدا عن الحنبلية والوهابية وغيرها من الأفكار المتشددة لن يقبلوا من أحد، أيا كان أن يغير ومن وسطيتهم تلك، فقط يجربون ويتعلمون، ثم يقولون كلمتهم ويعلنون اختياراتهم”.
• استبداد النظام السابق
ورأى الروائي محمد العشري أن قراءة المشهد الانتخابي في مصر لا يحتاج إلى الكثير من التحليلات والآراء السياسية، ويمكن ببساطة تلخيصه في اعتماد الكثير من الأحزاب السياسية القديمة مثل الوفد وغيره على إعلان تليفزيوني يبث من وقت لآخر، دون التعامل والتواجد الحقيقي في الشارع، ومناقشة البرامج الانتخابية مع الناس، على العكس من الأحزاب الدينية حتى الوليدة منها، وهو ما ظهر بوضوح في نتائج المرحلة الأولي. كذلك يمكن أن نرى أن فترة الحظر الطويلة للتيار الإسلامي في مصر جعله ينظم نفسه، ويتواجد في الشارع، ويتعامل عن قرب مع الناس، من خلال دور العبادة، والخدمات الميدانية التي يحتاجها البسطاء والمطحونين من الشعب المصري، وهم الأكثرية ممن اندفعوا للمشاركة في الانتخابات للمرة الأولى، ولم يجد هؤلاء غير الدين، يحتمون به من استبداد النظام السابق، وسرقته الواضحة لأموال وحياة الناس، مما دفع الكثيرين إلى التصويت للأحزاب الدينية في محافظات مثل القاهرة والإسكندرية وهي المحافظات التي لم يكن التيار الديني يتوقع أن يحصد منها ذلك العدد الكبير من التصويت، وذلك لعدم وجود بديل يمكنه أن يثق به الناس في أنه سيعمل لصالح الناس وليس لصالحه الشخصي، كما كان يحدث من قبل.
وأشار العشري إلى وجود أسباب أخرى “مثل وجود “نجيب ساويرس” على رأس “الكتلة المصرية”، بتصريحاته المستفزة أحياناً، جعل الأمر يبدو للكثيرين أنها مواجهة ما بين الإسلامية والمسيحية، وهذا في غير صالح العملية الانتخابية وأثر بالسالب على الأحزاب الأخرى المشاركة في قائمة الكتلة، وجعل الكثيرين يبتعدون أن اختيار “الكتلة المصرية” ممن ساندوها في البداية، واستفاد من ذلك تيار وليد قبل الانتخابات بوقت قصير جداً مثل “الثورة مستمرة”.
• لم يفوزوا بعد
ولا يرى الفنان التشكيلي والكاتب مجاهد عزب أن التيار الإسلامي قد حصد فوزا كبيرا في الانتخابات البرلمانية رغم أن مؤشرات المرحلة الأولى تنبئ بذلك، وقال: “لكنها منافية للحقيقة وسرعان ما تنكشف اللعبة والتي سيدركها المصريون الطيبون المحبون لإسلامهم وتدينهم. وتشير الأرقام أن ائتلاف الحرية والعدالة قد حصل على 80 مقعدا من مجموع مقاعد المرحلة الأولى (166 مقعدا) أي بنسبة 48% تقريبا، كما حصل حزب النور السلفي على 28 مقعد بنسبة 21% تقريبا، نعم هي أرقام عالية تفوق ما كان متوقعا من قبلها، لكن الناس تتناسى أن الحرية والعدالة مكون لمجموعة أحزاب (11 حزبا) منهم أصحاب الميول الناصرية واليسارية والقومية، ولا أعتقد أن حزب الحرية والعدالة (الجناح السياسي لجماعة الإخوان) قد نال أكثر مما هو متوقع.
ومع الاستعانة باستطلاع مركز جالوب يسهم في فهم الصورة بشكل أدق، إذ لا يتجاوز إجمالي المؤيدين للإسلاميين (أي القوى التي تؤمن بالإسلام كأيديولوجية سياسية) 27% من المصريين (15% للإخوان، و7% للسلفيين، و5% للوسط)، بينما يدافع 83% منهم عن دور للدين في الحياة العامة، أى أن أغلبية المصريين تؤمن بالإسلام كإطار مرجعي عام وليس كأيديولوجية سياسية، وهم بالتالي أقرب ـ إن دارت المعركة الانتخابية حول أسئلة السياسات لا الهوية ـ أن يصوتوا لأحزاب ذات توجهات مختلفة تشترك فى احترامها للمرجعية الإسلامية، ولكن سؤال الهوية والاستقطاب الناتج عنه يدفعهم باتجاه الإسلاميين” .
وأضاف عزب “إن ردود الأفعال والمخاوف من تقدمهم لا تعدو عن كونها استباقا لا معنى له ولا محل لها ومن الواجب عدم التوغل فيها قبل أوانها، حيث أنها فقط المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية بشقيها (الشعبي والشورى) وعلينا انتظار بقية النتائج لنحكم حكما نهائيا عن تقدمهم من عدمه وعن الأسباب التي أدت إلى هذه النتائج. أو هكذا أرى”.
• ضد قيم التقدم
وقال الشاعر علي عطا “فوز الإسلاميين الكبير في المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية في مصر هو أمر مقلق بالتأكيد، لكنه مقبول لكونه نتاج عمل ديموقراطي، هناك شبه إجماع على نزاهته وشفافيته. هو أيضا أمر متوقع، في ظل شعبيتهم التي لا مجال للشك في رسوخها على الأرض، وفي الفضاء أيضا، والمقصود هنا هو الفضاء التلفزيوني، وهو كذلك دليل دامغ على مدى وقاحة سلطة الحزب الوطني المنحل عندما زورت انتخابات العام 2010 فخلت نتيجتها من فوز أي من الإسلاميين، ولا يخفى على أي مراقب الدور الذي لعبه ذلك التزوير الفاضح في إشعال ثورة الخامس والعشرين من يناير.
والأمر المتعلق بفوز التيار الإسلامي بالمرحلة الأولى في الانتخابات البرلمانية في مصر يتسق تمام الاتساق مع ما حدث في محيطنا. هم فازوا أيضا في تونس وفي ليبيا وفي المغرب، ولو جرت الآن أو في وقت انتخابات نزيهة في الجزائر لفازوا بها أيضا كما فازوا من قبل وانقلب عليهم الجيش. التيار الإسلامي هو الفاعل الأساسي بين التيارات السياسية المختلفة في غالبية بلداننا العربية وفي إيران وتركيا، ومن ثم فلا غرابة في ان يفوز بانتخابات نزيهة في بلد مثل مصر. ولكن لماذا يظل هذا الواقع مقلقا؟ هو مقلق لأنه يعيد إنتاج استفراد حزب واحد بالسلطة في مصر وان تحت مسميات مختلفة كما حدث منذ عام 1952 وحتى إجبار حسني مبارك على التنحي. هو أمر مقلق لأنه ضد قيم التقدم، في ظل إقصاء الإسلاميين لمخالفيهم في الرأي وتضييقهم على حرية التعبير وموقفهم المخجل من الأقباط، وغير ذلك كثير مما قد لا يتسع له المجال هنا. نعم هو أمر مقلق ومفزع أيضا، ونتيجة طبيعية لتدهور التعليم في بلدنا، من ناحية ولفشل الليبراليين بمختلف أطيافهم في التواصل مع الناخبين من ناحية أخرى”.
• الهروب إلى المجهول
ورأى الشاعر مأمون الحجاجي أن الفوز الساحق للتيار الإسلامي هو نتاج أمرين لا ثالث لهما الأول ما خلفه العهد البائد خلال أكثر من ثلاثين من فساد يرى البسطاء أنه من الممكن أن يعود فى أية لحظة، وقد لعب التيار الإسلامي على هذا الوتر وقدم السلع بأسعار رخيصة بل وقدم لهم الوعد البراق بدخول الجنة من باب الدين الذي لا بد من دفع تذكرة الدخول ما مثله في الأصوات الانتخابية وفى سبيل ذلك رفض التيار الإسلامي الدخول إلى صف الشهداء والجرحى فى موقعة محمد محمود، والسبب الثاني المجلس العسكري عن عمد أو عن غير عمد بتسويفه ومماطلته وقراراته المتخبطة، وعلى ذلك فإن فوز التيار الإسلامي يسدد ضربة قاضية لبقية الأطياف السياسية التي فشلت في التعامل مع معطيات الواقع، وتفرغت فقط للبكاء على اللبن المسكوب فقط وليس مستغربا أن بهرب البسطاء إلى المجهول بانتخاب التيار الإسلامي السياسي.
• ملامح الثورة المضادة
وقالت الشاعرة علية عبدالسلام: نقع في هوة واسعة ممتلئة عن آخرها بالأكاذيب منذ التاريخ العظيم الحادي عشر من فبراير إلى اليوم كذبنا على أنفسنا وصدقنا العالم قلنا الجيش والشعب يد واحدة قلنا أسقطنا نظام دولة الفساد بسقوط الطاغية وبعض من أعوانه مرت شهور قليلة وتكشفت لنا ملامح الثورة المضادة وبعدها بشهور اكتملت الصورة وأدركنا أن المجلس العسكري يدير الفوضى ويقود الثورة المضادة قتل الثوار بيد الجيش والشرطة في الميديا تشاهد وتسمع أحداث وتطورات الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية فلا ترى فرقا بين قبل او بعد 25 يناير اللهم إلا زيادة مستوى الجريمة والفساد بشتى أنواعه ماذا كنت تتوقع من انتخابات ليست شرعية في الأساس نظرا لغياب الشرعية منذ التنحي ونقل المخلوع المسئولية إلى المجلس العسكري وقصة التفافه الشهيرة على الدستور أولا بالطبع كان لا بد وان يتقدم التيار الديني والسلفي نحن ننسى أننا أكثر من 85 مليون مجمل من نعدهم أصحاب وعى ورؤية ربما لا يتجاوزوا 2 مليون، 65 % نسبة الأمية بين النساء و45% بين الرجال ماذا تتوقع من نظام تعليمي كما الذي تشهده مدارسنا وجامعاتنا؟
ماذا تنتظر من مجتمع ذاب فى منظومة شديدة التعقيد من الفساد أحدثت الانتفاضة المصرية هزة بل هزات عنيفة فى نظام الدولة وهيكلها بينما لم يتغير الناس ولا نية لديهم يساعد على ذلك جهاز إعلامي فقير متواطئ كما الذي يقدمه لنا المجلس العسكري. ليست مفاجأة لأحد أن يفوز التيار الإسلامي بل هي أولى مراحل اندحاره تماما من مصر والمنطقة كلها التيارات الإسلامية تحصنوا بالسجون والشقوق تحت الأرض لعقود طويلة الآن يظهروا للسطح للعمل السياسي المشروع وسط غياب شرعية دستورية لكل الإدارة القائمة الآن في مصر وسط دماء شارع العيون بالتحرير وسط ملايين من الفقراء بجيوب خاوية ودولة كمصر مفترض إنها تملك إمكانيات بشرية واقتصادية تؤهلها لأوضاع أفضل لولا سوء الإدارة والتخطيط ماذا سيقدم لنا التيار الإسلامي؟ لا شيء لديه لا حلول ولا فكر ولا رؤية يفضحون أنفسهم يوما بعد يوم حتى الملايين الطيبة أدركت حجم لعبة إقحام الدين في السياسة تذكر بالطبع يوم الجمعة التالي لكارثة الهجوم الإجرامي لقوات الداخلية والأمن المركزي على ثوار محمد محمود ماذا اقترح الإخوان لهذه الجمعة من شعار ومطالب؟ تذكر أنهم قالوا “جمعة الأقصى” هل عيون شباب مصر ومستقبل وأحلام هؤلاء الشباب أقل أهمية من الأماكن المقدسة؟ هل يجوز أن يقبل منهم هذا الاستخفاف الغبي بمقدراتنا من أجل أوهام زمن برزوا فيه مضى عليه تقريبا قرن من الزمان هذا مثال بسيط يدلل على قصر المدة التي يستطيع التيار الإسلامي ان يصمد فيها امام شباب الثورة اللذين ماتوا وفقدوا عيونهم من أجل دولة العدالة والحقوق الاجتماعية وليس من أجل دولة دينية إذن دعهم يمروا فلن يفلت أحد من مقبرة الثورة إلا أصحابها المستقبل لنا.
نواصل طرح قراءات المثقفين المصريين لصعود القوى الإسلامية وتسجيلها نجاحا كبيرا في الجولة الأولى من الانتخابات البرالمانية المصرية، الأولى بعد ثورة 25 يناير، وهو الأمر الذي تلقته الكثير من الأوساط ليست فقط الثقافية والاقتصادية والسياسية والنسائية ولكن أيضا في أوساط عامة الناس بترقب حذر وقلق شديد، وذلك نتيجة التاريخ الطويل من التشدد والتطرف الذي مارسته تلك القوى وبخاصة الإخوان المسلمين والسلفيين والجماعة الإسلامية، بدءا من مواقفهم من المرأة وانتهاء بالأدب والشعر والفكر.
لقد لعب الفقر والأمية والجهل كما كشف المثقفون في الجزء الأول من هذا التحقيق دورا بارزا في هذا الصعود، حتى تساءل البعض عن قيمة الديمقراطية مع شعب يعاني أغلبه من تلك الآفات، بينما رأى البعض أن المجلس العسكري يتحمل جزءا كبيرا من المسئولية حيث استخدم نفس منهج النظام السابق في رفع فزاعة الإسلاميين في وجه الغرب، فجاء رد الغرب ليكشفه، ووسط كل هذا الصراع سواء ما ظهر منه وما خفي يدفع دائما الشعب المصري الثمن.
• عقم النخب المثقفة
أكد الشاعر والكاتب أحمد زرزور أن فوز الإسلاميين في الانتخابات البرلمانية المصرية لم يكن مفاجئا بالمرة لأحد، لا من الإسلاميين أنفسهم، ولا من غيرهم، وذلك لجملة من الأسباب التى يمكن إجمالها على هذا النحو:
أولا: استمرار النخبة المثقفة من دعاة الدولة المدنية، في انتهاج نفس الأساليب العقيمة، التي لم يتوقفوا عنها من زمن طويل، والتي يمكن تلخيصها فى الاكتفاء بالندوات في منتدياتهم العاجية، وسط تلاميذهم وزملائهم الذين هم ليسوا فى حاجة الى ما يعرفونه أصلا، بعيدا عن الجماهير الشعبية بالقرى والأحياء الشعبية، تاركين إياهم للحركة المنظمة والدوؤب للتيارات الدينية، تلك التيارات التى تقترب حثيثا من الناس، وتقدم لهم الخدمات والمساعدات، وتخاطبهم باللغة المناسبة، فيما يكتفي المثقفون السياسيون برطاناتهم النخبوية المتفذلكة، والتي تظل أيضا: حبيسة أبراجهم المتعالية، مما يزيد الهوة الفكرية والإنسانية بينهم وبين مواطنيهم، المتروكين فريسة للتوغل السلفي بجناحيه المعروفين للكافة.
ثانيا: إن ما تعرض له التيار الديني من ملاحقات دائمة على يد النظام المباركي البائد، قد أكسب هذا التيار شعبية تعاطفية، ومنحهم جاذبية نضالية لم يحلموا بها، بحيث تحولوا فى نظر الناس إلى مشاريع جاهزة للشهادة فى سبيل الله والشعب، ومن المعروف أن شعبنا المصري يتسم بعاطفية شديدة تنحاز إلى من تضطهدهم السلطة التى يكرهونها، ولم تتمتع سلطة حاكمة مصرية من قبل بهذا القدر من البغض الجماهيري كما تمتعت به السلطة المباركية الفاسدة.
ثالثا: إن التدين الفطري والعفوي والتقليدي الذي تتميز به الشخصية المصرية، مسلمة أو مسيحية، قد لعب دورا كبيرا فى إضفاء مسوح من التوقير والإجلال والثقة فى رموز التيار الديني، باعتبارهم ممن يتقون الله ويراعونه، فى مقابل فساد النظام المباركى الذي بلغ مستوى فضائحيا غير مسبوق.
رابعا: إن انتشار مستويات مروعة من “الأميات” بين السواد الأعظم من شعبنا، ابتداء بالأمية الأبجدية، وصولا الى الأمية الفكرية فيما يتعلق بالفهم الصحيح للإسلام، وتغلغل القنوات السلفية الدينية، وما تطرحه من مفاهيم متخلفة ومناهضة للروح الإبداعية التى تبناها نخبة من المفكرين الإسلاميين التقدميين من أمثال خالد محمد خالد وجلال أمين وطارق البشري ومحمد عمارة وسيد دسوقي حسن وأحمد كمال ابو المجد، وحسن حنفي، ومن قبلهم الشيخ محمود شلتوت، وعبدالعزيز كامل وآخرين، وهم الذين تم تهميشهم في إعلام النظام السابق، باعتبارهم خطرا على مصالحه، لكونهم يقدمون رؤية تثويرية للدين، مما حرم الجماهير من التعرف على هذه الرؤى التنويرية، كل هذا أسهم في تجهيل العقل الجمعي الشعبي المصري، ودفعه الى أحضان الطروحات السلفية الوهابية المتشددة، وهو ما أسهم في ارتفاع نسبة الأصوات التي أحرزها التيار الديني بجناحيه الإخواني والسلفي .
أخيرا: إن الإهمال المتعمد للتعامل مع الروح التدينية المصرية من جانب النخبة الثقافية والسياسية، بل والتعالي الفكري على موضوعة الدين، والهجوم المستمر على هذه الموضوعة الأساسية والتي تحتل مكانة تاريخية فى التكوين الروحي المصري، أسهم في “تنفير” الجماهير من هذه النخبة، وأعطى التيار الديني فرصة ذهبية لاتهام نخبتنا باحتقار الدين بل والكفر الصريح به، مما وضع العلمانيين في موضع لا يحسدون عليه، بالرغم من معرفتنا بعدم صوابية هذه الاتهامات السلفية، فالعلمنة لا تعني احتقار الدين، بل تعني وببساطة عدم اقحامه في الحياة السياسية .
ان ما حدث في الانتخابات المصرية يدعونا جميعا الى مراجعة الكثير من أدبياتنا الفكرية والسياسية إن شئنا حقا: أن ننهض ببلادنا قدما إلى آفاق أرحب من الديموقراطية والحرية والعدالة والمساواة، وإنقاذ الوعي الجمعي الشعبي المصري مما يتهدده من تشويه لكل من: الدين والدنيا معا.
• فوز على المحك
وقرأ القاص والشاعر سمير الفيل المشهد بطريقة تربط المسببات بالنتائج وقال: “إن الأربعين سنة الماضية من حكم مصر حدثت فيها تحولات عميقة في معايير القيم والقيمة خاصة بعد دخول سياسة الانفتاح الاقتصادي في عصر السادات، وظهور القطط السمان التي أشار إليها النائب محمد عبدالسلام الزيات في إحدى مداخلاته بمجلس الشعب المصري، وبعد رحيل السادات سارت مصر خطوات سريعة ومقلقة في طريق الخصخصة وهو ما أدى لتجريف الثروة المصرية وظهور قطاع رجال الأعمال بنهمهم الشديدة لكسب المال”.
وأضاف: “لقد شهدت مصر تقييدا للديمقراطية وحاول كل من اليسار والتيار الإسلامي والتيارات الليبرالية الإجابة عن سؤال المستقبل كل بمرجعيته للوقوف كحائط صد في مواجهة حالة التردي التي شملت الدولة بمختلف مؤسساتها، وعلى رأسها مسألة تردي التعليم. لقد تم عقد صفقات مزاوجة السلطة بالمال، وصعد نجم جمال مبارك من أجل تمرير صفقة التوريث، وفي هذا الشأن ظهرت قوى شبابية وقوى مدنية وأخرى إسلامية لرفض الفكرة.
لقد كان لتزوير الانتخابات والتضييق على الإسلاميين وانحطاط المؤسسة الأمنية ووضع أغلب الملفات المهمة في يد جهاز مباحث أمن الدولة ما جعل سقوط النظام حقيقة لا تقبل الجدل خاصة بعد انقضاء الشطر الثاني من يوم 28 يناير 2011 حيث انهارت منظومة الأمن كلية، وخلت الشوارع من الشرطة، ووجد الناس بلدهم بلا أمن فنشأت اللجان الشعبية”.
وأوضح “أن الفوز حدث لسببن أساسيين، الأول: هو قدرة بعض الفصائل على التنظيم الدقيق لأمورها وهو ما وجدناه عند الأخوان المسلمين، الثاني: هو الطبيعة البسيطة للمواطن المصري في القرى والنجوع وهوامش المدن الذي يرى البسطاء فيها أن الإخوان والسلفيين هم أقرب للتقوى فمنحوهم أصوتهم”.
وطرح الفيل مشكلة صعود الإسلاميين في ثلاث عناصر، الأول: أن فعل التمرد أو الرفض لا يحتاج إلى جهد كبير، وفي المقابل فإن المشروعات الاقتصادية بحاجة إلى معرفة كاملة بحقائق وتفصيلات لا يدركها سوى المتخصصين. فهل لدى التيار الإسلامي القدرة للتصدي لهذا الملف؟ الثاني: اكتسب تيار الأخوان المسلمين بعض الدربة على فهم فكرة الجدل والحوار ووضع احتمالات لقضايا شائكة تتغلغل في المجتمع المصري ومع اشتراكهم المرتقب في وضع سياسة البلاد هل يمكنهم قراءة الأوضاع الإقليمية والعربية والعالمية واكتشاف مسارات المستقبل وفض وعقد التحالفات المختلفة؟
الثالث: لا يزال قطاع كبير من يمين التيار الديني يغلب عليه مناقشة قضايا فرعية كحجاب المرأة ومعنى الاختلاط وضرورات السياحة ورفض الفن وتهميش الثقافة أو صبغها بصبغة محددة، وهم في ذلك يتبنون خطابا متشددا يجعل من الصعب الموافقة عما به ناهيك عن وجود ما يقارب 12 مليون قبطي لهم حقوق المواطنة الكاملة. فهل لدى التيار الإسلامي القدرة على معالجة هذه القضايا الأساسية؟
وأكد الفيل أن الانتصار الذي حققه التيار الإسلامي سيوضع على المحك لتبيان قدرة هذا الفصيل على تحقيق وفرة اقتصادية وإصلاح سياسي حقيقي ومقاومة جذرية للفساد وإدراك فن التحالفات والعلاقات الدولية بحيث لا نخسر أرضا كنا كسبناها على مدار تاريخ طويل. لا يمكن صنع قطيعة مع الماضي كلية، ولكن بالضرورة يمكن تجسير طرق للمستقبل بتحسين شروط الحاضر وهو أمر ممكن. أما الشيء الأساسي الذي يضمن نجاح التيار الإسلامي مستقبلا وعلى المدى الطويل، فهو القدرة على قبول التنوع والاختلاف وإجراء تفهمات واسعة بشأن الحالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مصر، وعدم القبول بتهميش الثقافة والأدب والفن لأن هذه العناصر رمانة ميزان للوضعية المصرية في عالمها العربي.
• يستحقون الرثاء لا التهنئة
أكد الشاعر والروائي صبحي موسى أن المشكلة ليس في فوز الإخوان أو غيرهم بالبرلمان، فقواعد الديمقراطية تقتضي أن نحترم صوت الناخبين مهما كانت اختياراتهم مخالفة لما نحبه ونراه، لكن المشكلة في وضع العربة أمام الحصان.
وأوضح رؤيته قائلا “وضع العربة أمام الحصان، هذا ما أراده لنا المجلس العسكري منذ اللحظة الأولى لتوليه إدارة شئون البلاد، فمن البديهي في البلدان حديثة العهد بالانفتاح على التجربة الديمقراطية أن يكون هناك دستور يتوافق الجميع على العمل وفقاً لآلياته، دستور يحكم قواعد اللعبة السياسية، دستور متكامل وشرعي ومعلن كي يعرف الجميع الخطوة القادمة، لا أن ننساق في طريق ثم ما نلبث أن نفاجأ بإعلان دستوري يقول إن علينا العودة إلى الخلف للبدء من جديد، وأن علينا أن نجرب في كل مرة فكرة جديدة لا علاقة لها بقواعد الديمقراطية، وكأن مصير بلد بحجم مصر وثقلها أصبح محل تجريب لاختبارات فاشلة تلو اختبارات أكثر فشلاً.
وأضاف صبحي موسى: “المدهش أن الثورة المصرية على وشك بلوغ عامها الأول، وأننا نعيش أجواء انتخابات يبذل فيها كل فصيل فوق طاقته للفوز بها، لكننا حتى الآن لا نعرف إن كان نظام الحكم الذي سنسير فيه برلماني أم رئاسي، ولا نعرف ما هو مصير كل ذلك الجهد المبذول في الشارع من كل القوى السياسية، وهل سترضى التيارات الدينية التي بذلت كل غال ونفيس من أجل الفوز بالبرلمان أن تكون منزوعة الصلاحيات، ولماذا، إذا كنا لا نرى أهمية لنواب الشعب، دفعنا بالجميع في سباق محموم لا نعرف إلى أين سينتهي، ولماذا إهدار كل هذا المال العام من أجل انتخابات لا جدوى ولا أهمية ولا طائل من ورائها.
العديد من الأسئلة المرجأة لحين انتهاء العملية الانتخابية، والتي لن تنتهي إلا قبيل عيد الثورة (25 يناير)، وهي أسئلة أشبه بقنابل موقوتة لن ينزع فتيلها دون مزيد من الدماء، والمرشحون الأوائل لها هذه المرة هم التيارات الدينية المتباهية الآن باكتساحها لبقية القوى السياسية، فمع وصولها ستصبح ذات الشرعية الحقيقية في البلاد، لكنها شرعية مع إيقاف التنفيذ حسبما يخطط لها العسكر، في حين أن مديري البلاد بدءاً من العسكر وحتى حكومة الإنقاذ لا شرعية لهم، وذلك بالقياس على الأقل لمن وقفت الجماهير بالساعات في الطوابير لاختيارهم، فهل يمكن أن ينصاع الشرعيون لغير الشرعيين، وهل يمكن أن تكون قرارات الأقل شرعية سارية على صاحب الأغلبية، وهل يمكن أن يكون الجنزوري صاحب صلاحيات رئاسية دون الولاء لنواب الشعب المنتخبين بشكل شرعي؟”
وقال موسى: “لا أعتقد أن الإخوان يمثلون لي ولا لغيري بعبعاً، لأنهم فصيل من الشعب المصري، وإن كنت أختلف معهم فكرياً ومنهجياً وتقديراً للأولويات، لكن ذلك لا يعني أن الطريق ممهدة تماماً لهم ولا لغيرهم من التيارات الدينية في الشارع المصري، فالذين صوتوا لهم ولغيرهم يفهمون الله على نحو مختلف عما يفهمه الوهابيون والسلفيون، ومن ثم فأمامهم العديد من الاختبارات القاسية، كالفارق بين النظرية والواقع، والمسافة بين ما يريده منهم الناس وما يريدونه هم من الناس، فضلاً عن أمراض خمسين عاماً من التخلف والجهل وعدم التحقق وانعدام الفرص، وإذا أضفنا على كاهل الإخوان بوصفهم الآن التيار الديني الوسطى وجود شريك لهم أكثر تعصباً ومزايدة وأقل خبرة في العمل السياسي وحتى الاجتماعي وهو السلفيون، يصبح أمام الإخوان معضلة تاريخية، وفي ظني أن الإخوان ليس أمامهم سوى أن يتعاملوا مع بقية التيارات والقوى في المجتمع المصري بوصفهم الأخ الأكبر، الأخ الذي يقدم مصلحة الآخرين على مصلحته، والذي يضع الآخرين بجانبه في الصورة ولا ينحيهم عنها، فهذا قدرهم، وقد انتهي بالنسبة لهم عصر المراهقة السياسية، وبدأ عهد المسئولية التي تبدل الطبائع من قوة إلى لين، ولنا أن نراجع في هذا ما قاله العقاد في كتابه عن “عبقرية عمر”، وكيف حولته المسئولية من القوة إلى اللين، وكيف اختار ألا يعهد بالخلافة إلى رجل تقي كعلي ابن أبي طالب قائلاً: (والله لو وليتها للأجلح لحملن الناس جادة الكتاب)، لذا فأنا أرى أن التيارات الدينية مقبلة على اختبار قوى من كل الجهات، بدءاً من مواجهة العسكر وصولاً إلى كيفية الموائمة بين ما يقولونه للناس وما يميليه الواقع عليهم، وهي في مجملها اختبارات عصيبة تدعو المرء أن يشفق عليهم قبل أن يهنأهم نجاحهم الساحق”.
• الفقر والعلمانيون الكفرة
أكد الشاعر والكاتب حمدي عابدين أن النظر للمشهد الانتخابي في جولته الأولي على اعتبار أنه التجربة الديمقراطية الأولي لشعب ظل لسنوات طويلة مهمشا ومتهما بالقصور وعدم الرشاد وغير مؤهل للاختيار الصحيح وتولي أمره بنفسه يؤكد أن المصريين نجحوا بامتياز في اجتياز هذه المرحلة الدقيقة من تاريخهم مع الديمقراطية بما سبقها من مزاعم حول الانفلات الأمني وما سيصاحبها من ترويع وقتل.
وقال: “ما نزول المصريين بالملايين إلى اللجان الانتخابية واختيارهم من اختاروه إلا نتيجة لمجموعة من المقدمات أولها الحرب الدينية التي سبقت الانتخابات، والتي دارت رحاها في عديد من المساجد ضد دعاة الدولة المدنية فضلا عن كثير من الشعارات التي انطلقت في ميدان التحرير علي لسان البعض ضد (العلمانيين الكفرة دعاتها بما يعني أن تخلع أمك الحجاب). ولا بد في هذه الحالة أن تضع في اعتبارك أن المصريين شعب متدين بطبعه يميلون لتصديق ما يقال لهم دون تمحيص أو بحث أو اختبار, ويجب أن نضع في الاعتبار أن هناك أرضية كبيرة من الأمية تصل إلى 25% من السكان تدعم ذلك، زد عليها غطاء من جهل وسطحية جعله النظام السابق ضمن أولى أولوياته للسيطرة على الشعب وتسهيل مهمة توريث الحكم. فضلا عن فقر يصل حسب تقديرات المجالس القومية المتخصصة في مصر إلى أن 46% من المصريين لا يحصلون على الطعام الكافي ويعانون من سوء التغذية، وتتفاوت نسبة الفقر ما بين المحافظات الحضرية (6.6%) والمناطق الريفية (41.4%). ووفقًا لأحدث تقرير عن “خريطة الفقر” التي أصدرتها وزارة التنمية الاقتصادية فقد بلغ عدد القرى الأكثر فقرًا 1141 قرية”.
وأشار عابدين إلى أن أحدث تقرير صادر عن التنمية البشرية بالوطن العربي لعام 2010 أن نسبة الفقر في مصر – التي يقارب سكانها ثمانين مليونا – تبلغ 41%. ويتبين من خريطة الفقر التي تضمنها التقرير أن أكثر من مليون أسرة فقيرة تعيش في الألف قرية الأكثر فقرًا، ويبلغ إجمالي عدد سكانها خمسة ملايين نسمة يمثلون 46% من إجمالي سكان هذه القرى. وتصل نسبة الفقراء في هذه القرى إلي نحو 54% من إجمالي سكان الريف الفقراء في مصر، ونحو 42% من إجمالي السكان في الجمهورية, كما أن ثلاث محافظات بالوجه القبلي (أسيوط والمنيا وسوهاج) تضم 794 قرية يشكل فيها الفقراء 82% من إجمالي عدد الفقراء بالألف قرية الأكثر فقرًا.
وفي ضوء ذلك قال عابدين: “لنضع إذن ما سلف من أرقام ضمن مشهد انتخابي تنافسي به كثير من الأطراف التي تسعي لانتهاز فرصة تاريخية للوثوب على الحكم, فهل يمكن لهذه الأطراف أن تفلت من يدها ما سعت لتحقيقه عبر تحالفات فاضحة وتغاضي عن كثير من الدماء والقفز علي الكثير من الاستحقاقات للوصول إلي السيطرة عبر صناديق انتخابات يدخلها المصريون لأول مرة أملا في التغيير وتحقيق نوع من العيش الكريم يدخلونها وفي رقابهم معلق سيف فقر وجهل وأمية تجعلهم يقعون تحت سيطرة الرشا الانتخابية متمثلة في عبوات الزيت والرز وغيرها من أطعمة هم في مسيس الحاجة لها راحت تقدمها لهم أطراف ضخت في عقولهم مستغلة أمية وجهل البعض دعاوي ومزاعم غير صحيحة اتهمت بها منافسين سعيا للحصول علي ما تصبو إليه. الغريب في الأمر أن أطراف كثيرة شاركت في التنافس علي مقاعد مجلس الشعب لا أستثني منها الأطراف الإسلامية ارتكبت مخالفات فاضحة مثل الدعاية أمام المقار الانتخابية وتوصيل الناخبين عبر وسائل مواصلات يملكونها بما يتيح لهم التأثير علي إرادة الناخبين, هذه الأساليب استخدمها النظام السابق وكان أكثرها فجاجة البطاقة الدوارة وهذه الأخرى لم تتخل عنها الأحزاب الإسلامية وجميعها أثبتته منظمات المجتمع المصري المدني التي راقبت الانتخابات بالوثائق المختلفة وسجلته في وثائق فلميه. وقد كان من نتائج تلك المخالفات الكثير من المطالبات بإبطال نتائج الانتخابات في عدة دوائر مازالت رهن المحكمة الإدارية وهي جميعها جاءت سبباً لتلك المخالفات الفاضحة التي شابت الجولة الأولي.
المهم هنا هو أن هذه الجولة وما شابها من ممارسات لم تكن بريئة, أو مثالية أو حتى طبيعية جاءت في مصلحة الأحزاب الإسلامية التي ظهرت بعيدة عن حسن ظن المصريين بها, بعدما استخدمت نفس أساليب النظام الفاسد السابق في التزوير والتحايل ولعل القبض على إحدى المنقبات داخل لجنة انتخابية وبحوزتها 15 بطاقة رقم قومي صوتت بها جميعا أبلغ دليل على أن الإسلاميين استخدموا أساليب غير نزيهة في الحصول على الأغلبية في الجولة الأولي من انتخابات أراها غير بريئة بدءا من قرار الإعلان عنها حتى جلوس نوابها على مقاعد ملوثة بدماء شهداء راحت تلعنهم تحت القبة.
• حرب دينية
ووضع الكاتب رمزي زكريا قراءته لفوز الإسلاميين في عدد من النقاط أولها أن التنظيم الجيد لهذه التيارات وقدراتها المادية الكبيرة هذا بعكس التيارات الليبرالية الناشئة، وثانيها التغيب الفكري لغالبية الشعب المصري وسيطرة النزعة الدينية على الكثيرين، وثالثها النظام السابق الذي همش كل القوى السياسية وجعل بجانيه فقط التيارات الدينية كفزاعة لمن يريد أو يفكر في التخلص منه والدليل أنه أشعرنا بذلك عندما سمح للإخوان بحصد 88 مقعدا في مجلس الشعب في الانتخابات السابقة، ورابعها الوقت الراهن الذي لعب لصالح هذه التيارات من حيث ضعف الرقابة على الدعاية الدينية وتطلع الناس إلى الاستقرار بعد أن عاشوا فزاعة الفوضى والناس ترى أن الاستقرار لن يأتي إلا عن طريق جماعة منظمة، وأخيرا إيهام الناس أن الانتخابات ما هي إلا حرب دينية لا بد أن يختار فيها المسلم مسلما والمسيحي مسيحيا مما أدى إلى انحياز الناخبين المسلمين إلى المرشحين المسلمين وخير من يمثل هذه الشريحة هي التيارات الدينية.
• الإسلامي في البرلمان
وقالت الكاتبة والروائية انتصار عبدالمنعم لكي نقرأ الفوز الكبير للتيار الإسلامي الذي يمثله الأخوان والتيار السلفي في الانتخابات البرلمانية لا بد لنا من البحث أولا عن أسباب الفوز، وعما إذا كان هذا الفوز دليلا على الالتزام الديني للشارع الذي انتخبهم. أولا، جاء هذا الفوز الكبير نتيجة المشاركة الكبيرة للناخبين وذلك لعدة عوامل منها ما هو قهري مثل التخوف من الغرامة المالية التي أشيع في أوساط البسطاء أنهم سيدفعونها لو لم يذهبوا. ثم جاء الدور المنظم للإخوان والسلفيين في إرشاد هؤلاء البسطاء إلى الرموز التي تمثل “المسلمين” وتدخل الجنة مثل الميزان والبرواز والسماعة دون ذكر أسماء المرشحين وذلك لمعرفتهم أن هؤلاء لا يعرفون القراءة والكتابة، فما كان منهم إلا أن ذهبوا إلى اللجان يبحثون عن الرمز لا الاسم.
وثانيا، جاء التصويت للتيار الإسلامي نتيجة الدعاية السلبية والمنظمة في الحديث عن المنافسين الذين أشيع عنهم أنهم يريدون دولة مدنية بلا دين. فجاء التصويت للإسلاميين كرد فعل ومكيدة في غيرهم من رجال الحزب الوطني ودعاة مدنية الدولة.
وهذا يشبه ما حدث في انتخابات مجلس الشعب عام 2005 حين حصد الأخوان المسلمون وحدهم 88 مقعدا وهم في خانة المحظور وفي وقت اشتداد التضييق الأمني عليهم، وبقراءة لهذا النجاح وقتها فقد اختار الناخب جماعة الاخوان انتقاما من رجال الحزب الوطني والنظام وكرد فعل لحملات الاعتقالات والتعذيب التي طالت المدنيين في كل مكان. وفي انتخابات بعد الثورة ظهر أمام الأخوان منافس آخر وهو التيار السلفي والتياران استخدما الدين كواجهة انتخابية ضد رجال النظام السابق ومنافسيهم بصفة عامة.
وتخلص انتصار إلى أن الفوز الكبير للتيار الإسلامي لم يأت نتيجة الورع الديني والالتزام بسلوكياته. بل جاء نتيجة غش وتدليس على الشعب من كل الأطراف، فالأخوان استدعوا تاريخهم في سجون النظام ليستدروا عطف المواطن البسيط، وليثبتوا أحقيتهم في الحصول على أصوات الناخبين والمشاركة في الحكم دون غيرهم. والتيار السلفي خوف البسطاء من العري والخمر والرذيلة لو جاء غيرهم إلى مجلس الشعب، أي استخدموا الدين كدعاية للحصول على مكسب دنيوي. ليس المهم الآن أنهم فازوا بأغلبية المقاعد ولكن ماذا هم فاعلون للمواطن البسيط الذي صوت لهم منتظرا منهم جنة أرضية لا تتجاوز رغيف خبز صالح لبني الإنسان وأنبوبة غاز دون أن يفقد روحه؟ أم سينشغلون بمصادرة الكتب وتكسير التماثيل وفرض السواد على الشعب؟
• مقدمات تؤدي للنتائج
أما القاص والروائي أحمد طوسون فقد رأى أن فوز التيار الإسلامي جاء منسجما مع مقدمات سابقة على العملية الانتخابية وممارسات تمت أثناءها. وأوضح “تتمثل المقدمات في قانون انتخابي يخالف المعايير الدولية لضمان نزاهة الانتخابات وبالتالي صرنا أمام دوائر متسعة لا يستطيع تغطية الدعاية الانتخابية فيها إلا أصحاب المال وبالتالي بتنا أمام متنافسين رئيسيين هما التيارات الإسلامية وتيار الكتلة المصرية الذي يدعمه ساويرس بينما غاب عن الترشح الشخصيات الوطنية الأخرى – ومنها شباب الثورة – التي لا تتمتع بذلك النفوذ المادي الكبير، كما تقلص دور العصبيات والقبلية لأن أغلبها ارتبط برموز انتمت للحزب الوطني المنحل وأغلب هذه الرموز واجهت رفضا لدورها في إفساد الحياة السياسية حتى من عصبياتها وتحتاج هذه العصبيات والقبليات إلى المزيد من الوقت لتخرج رموزا جديدة قادرة على دخول الصراع الانتخابي.
أما ثاني هذه المقدمات فيتمثل في انهيار منظومة الأحزاب التقليدية الكبرى كالوفد والتجمع والناصري وامتلاك الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية لقواعد بشرية كبيرة في كل الدوائر، بينما عجزت باقي الأحزاب والكتل في مجاراتهم، ثالث هذه المقدمات وأهمها غياب الدور الاجتماعي عن الأحزاب المدنية بينما ارتبط تواجد جماعة الأخوان في الشارع المصري بالدور الخدمي الاجتماعي الذي يجعلهم قريبين من المواطن البسيط وجاراهم في ذات النهج التيار السلفي.. رابع هذه المقدمات ارتباك المرحلة الانتقالية الذي حدث بتعمد فيما أظن مما أدى إلى تخوف الكثيرين من مستقبل الوطن وأصبحوا ينظرون بنظرة ارتياب إلى الدعوة لاعتصام أو مليونية جديدة، واستطاعت جماعة الأخوان في خطابها الإعلامي أن تلعب على هذا الوتر عند المواطنين البسطاء وبخاصة في المليونيات الأخيرة التي سبقت المرحلة الأولى من الانتخابات، خامس هذه المقدمات غياب الدور الإعلامي والثقافي في التوعية الانتخابية واكتفائه بحوارات النخب وعدم نزوله إلى الحواري والأزقة والقرى في ندوات كبيرة لنشر الوعي بالحقوق الأساسية وما يحدث في هذا الإطار نمطي وروتيني ولا يتناسب مع ما تمتلكه المؤسستان الإعلامية والثقافية من إمكانيات..آخر هذه المقدمات لعب التيارات الإسلامية عبر التاريخ على وتر الدين وبالتالي ترسخ في ذهن كثير من العامة أن هؤلاء يمثلون الإسلام بينما غيرهم يقفون في الجهة المقابلة بخلاف تنامي الخطاب الطائفي في الشارع المصري قبيل وأثناء الثورة وحتى الآن.
وأضاف طوسون “أهم الممارسات يمكن إيجازها في المخالفات التي ارتكبها التيار الإسلامي وأهمها في نظري حشد غير الراغبين في المشاركة من الأميين وربات البيوت والبسطاء تحت وطأة تهديدهم بالغرامة التي ستوقع عليهم، وخطورة هذا الحشد أنهم حصلوا بموجبه على عدد هائل من الأصوات التي لم تكن لها إرادة في المشاركة وليس عنها خلفية عن المرشحين وكانت تستسلم لهم لمجرد الخلاص من تبعية غيابهم عن الإدلاء بأصواتهم. أيضا الممارسة الإعلامية للفضائيات الخاصة التي أحيانا تعاملت مع التيار الإسلامي كما تعامل التلفزيون المصري معه في انتخابات 95 وأدى إلى نتيجة عكسية وإلى تعاطف كثير من البسطاء معهم.. أيضا من أهم الممارسات التي حدثت أثناء العملية الانتخابية عدم قيام اللجنة العليا للانتخابات بدورها تجاه المخالفات التي حدثت أثناء فترة الصمت الانتخابي وأثناء العملية الانتخابية، كما أن عدم وجود ممثلين للأحزاب بنفس عدد ممثلين التيارات الإسلامية داخل وخارج اللجان أثر بصورة غير مباشرة على الناخبين وأحيانا أثر على إدلاء المواطنين بأصواتهم داخل اللجان.
لكن الأهم في نظر طوسون أن فوز التيار الديني سيضعنا أمام إشكالية كبرى تتمثل في أننا سنجد أنفسنا أمام مؤسسة شرعية منتخبة (البرلمان بمجلسيه)، وأمام ثوار ضحوا بأرواحهم من أجل هذا الوطن ولم يجد الوطن مكانا لهم تحت قبة برلمانه.
• الشخصية المصرية
وكشق الناقد والباحث الأكاديمي د. نادر عبدالخالق عن أن الصراع الحقيقي يكمن في الأيديولوجية النفسية للشخصية المصرية المعاصرة التي تواجه تحديا اجتماعيا وسياسيا كبيرا في هذه المرحلة، وقال: “يمكن تحديد نوع هذه الأيدلوجية وحصرها في العاطفة والعقيدة والطموح، فالعاطفة تتمثل في عملية الخوف من المغامرة السياسية غير المحسوبة، والعقيدة هى الإطار الذي لا تريد الشخصية مغادرته كحصن نفسي وأمان روحي، والطموح لا يبعد عن فكرة التطور والانتقال نحو مرحلة سياسية تعبيرية جديدة مختلفة تضمن ثبات الموقف وعدم الرجوع للخلف مرة أخرى، هذه الأفكار وغيرها كانت وراء انحسار الصوت الانتخابي في دائرة العقيدة دون المغامرة في محاولة التجريب التي قد تفرض أنماطا مختلفة من الفكر الذي يتعارض مع روح الشخصية المصرية المعاصرة التي تخشى بدورها الخسارة السياسية أو الدخول في حسابات أخرى بعيدة عن المنطق”.
وأشار عبدالخالق إلى أن هذا يدل على أن الشخصية المصرية مازالت في طورها الأول من الممارسات الديمقراطية الحقيقية، وأنها تنطلق في تعبيرها بحرص شديد ووعى نفسي عقائدي، ومن ناحية أخرى فإن التيارات السياسية الأخرى المتصارعة مثل الليبرالية والتحررية والسلفية وحتى التقليدية التي تتوهم أنها تحمل فكرا ومنطقا مختلفا، لم تكن على مستوى التمثيل القريب من تكوين الشخصية والعقلية المصرية التي تخشى المغامرة، فرأينا وسمعنا في وسائل الإعلام وشبكات الإنترنت تحذيرات وتهديدات وأفكارا تمثل دعاية سلبية متناقضة تدل على عدم الوعي لدى هذه التيارات بالشخصية المصرية وتكوينها الداخلي، حيث أن الوسطية والاعتدال والتوازن سمات عامة في النسيج المصري بكل طوائفه، حتى وإن بدا غير ذلك في بعض الأوقات، وليس أدل على ذلك سوى الموقف الأخير في هذه الانتخابات نفسها والذي ظهر في عملية الاندفاع الكبير نحو صناديق الاقتراع، وقد أخذ مظهرا حضاريا لم يكن متوقعا في مثل هذه الظروف الصعبة وفى ظل انحسار الأمن.
لهذه الأسباب وغيرها اندفع الناخب المصري نحو العقيدة الدينية والعاطفة والطموح الذي يأمل أن يحقق فلسفة وفكر التيار الإسلامي المتمثل في الإخوان المسلمين، وليس معنى هذا أن الشخصية المصرية تبحث عن الإسلام السياسي أو أنها تتشكل حسب الاندفاعات التأثيرية الدينية، بقدر ما هي تدرك تماما فراغ التيارات المتصارعة الأخرى، وتدرك عملية التدرج في بلوغ الديمقراطية وبلوغ المرحلة الجديدة من الحرية الشخصية والحرية الاجتماعية والسياسية، ومن يبحث في مراحل التكوين الأنثربولوجي للطبقات المصرية على مدار تاريخها المعاصر يمكنه أن يقف على هذه الملامح العامة فى الشخصية المصرية، مما يعنى أن الفوز الكبير للتيار الإسلامي في الانتخابات البرلمانية في هذه المرحلة والذي اعتقد أنه سيمتد إلى بقية المراحل بشكل أو بآخر يرجع إلى الخوف وعدم الثقة من التيارات المتصارعة الأخرى وفراغ منهجها وفكرها وغرابته على العقلية الاجتماعية البسيطة التي تمثل الشريحة العظمى في البلاد، ويرجع كذلك إلى أن الدين يمثل في المجتمعات المصرية ملاذا أمناٌ وحصنا روحيا ونفسيا.
• البلطجة والتزوير
وأوضح الكاتب والمحامي أحمد عبدالباقي أن أحدا لم يكن يتوقع هذا الفوز الكبير للإخوان ويليهم السلفيين، والمفاجأة الكبرى أن جميع البلطجية ومثيرى الشغب لم يظهروا ولم يتواجدوا داخل الانتخابات ما هذه الصدفة التي رأيناها أين البلطجية؟ في خلال أربعة وعشرين ساعة تم السيطرة عليهم، كل هذا جعلنا نشك في صفقات بين الإخوان والمجلس العسكري، أن يترك الإخوان ميدان التحرير في مقابل إتمام الانتخابات في موعدها وحمايتها وتدعيمها، جعلنا نشم رائحة صفقات وعود قد تكون قد تمت بين الإخوان والمجلس.
ورأى عبدالباقي أن الأمر قد يكون لعبة من المجلس ليتم تصفية الإخوان مثلما تمت تصفية الحزب الوطني، فكثير من الشعب لن يرضى بهذه الغلبة التي أخذها الإخوان. فأين باقي الأحزاب إن انفرد الإخوان بالمجلس وماذا لو خرجت علينا حالات من التزوير، هل ستكون كل الانتخابات مزورة، وسيكون مصير الإخوان مثل إخوانهم في الحزب الوطني، إن التجاوزات التي رأيناها في الانتخابات كفيلة بأن تلغى هذه الانتخابات المشكوك فى صحتها وشرعيتها .. فلماذا صوت العاملون بالخارج مع أنهم في الأصل لم يصوتوا لصالح الدستور ويشاركوا بالرأي فيه.
كان المجلس يحذر من أي استخدام للشعارات الدينية، واستعمل الإخوان الشعارات الدينية علنا ولم يوقفهم أحدا. كان الإخوان يقومون بالدعاية أمام اللجان مع أن المجلس منع الدعاية قبل الانتخابات بـ 24 ساعة، وكنا نرى الإخوان أمام اللجان يؤثرون على الناخبين للإدلاء بأصواتهم لصالحهم مستغلين بذلك جهل وأمية العديد من الناخبين، ولا أنسى منظر صبحي صالح عندما استفز الناخبات، فمعظم الناخبين قد خرجوا ليس حبا في الانتخابات ولا المرشحين ولكن خوف من غرامة الـ 500 جنيه، والتي لا يستطيع الكثير منهم سدادها. وهنا هو السر الثاني فى اكتساح الإخوان، فماذا لو لم يخرج هؤلاء الناس إلى الانتخابات؟
وقال عبدالباقي: “وجدنا صورة حية وانتهاكا مصورا لشخص من الإخوان يؤثر على سيدتين من غالبية الشعب الجميل الذي لا يعلم شيئا مما يدور حوله وهذا الانتهاك كفيل بإلغاء الانتخابات في هذه الدائرة، إن تأثير الإخوان على الناخبين من رشاوى من زيت وسكر ولحوم جعل أصوات الناس تذهب إليهم. فلا يعقل ان جورج إسحاق مؤسس حركه كفاية الرجل الذي حارب مبارك علنا لم ينجح؟
إن هناك الكثير من علامات الاستفهام تجعلنا نشك في تلك الانتخابات. البعض يقول إن التنظيم الجيد للإخوان هو السبب في ذلك. والبعض الآخر يقول إن ضعف الأحزاب الأخرى هي السبب. والبعض الآخر يشكك في نزاهة تلك الانتخابات، لكن يبقى السؤال لماذا التخوف من سيطرة الإخوان على مجلس الشعب؟ ماذا هم صانعون بهذا المجلس؟ هل سيصنعون دستورا خاصا بهم؟ هل سيقومون بتفصيل دستور على مقاسهم مع الضمانات الكافية؟ لكن الجميع نسى أن هناك أكثر من 80 مليون مصري سيصوتون على الدستور الجديد، أي أن هناك متنفسا للحرية لصنع القرار، الجميع نسى أن هناك ميدانا للتحرير، إن فسد الإخوان أو غيرهم سنغيرهم ونلحقهم بالفاسدين السابقين، فالذين أسقطوا مبارك قادرون على إسقاط من هم أقوى منه، مع العلم أن سقطة مبارك كانت الأقوى حتى الآن.

 
أضف تعليق

Posted by في 22 ديسمبر 2011 in أخبار ومتابعات

 

تحميل رواية ” مراسم عزاء العائلة” لأحمد طوسون

حمل من هنا:
http://www.mediafire.com/?si1t7h1otyn5c5i

 
أضف تعليق

Posted by في 5 ديسمبر 2011 in سرد

 

تحميل رواية” تأملات رجل الغرفة” لأحمد طوسون

من هنا:

http://www.mediafire.com/?7o23gx6mhr8z8hr

 
أضف تعليق

Posted by في 5 ديسمبر 2011 in سرد

 

تسجيل حلقة بتوقيت القاهرة مع الأديب أحمد طوسون

 
أضف تعليق

Posted by في 5 ديسمبر 2011 in أخبار ومتابعات

 

مثقفون مصريون : مصر لن تكون إيران أخرى

مثقفون مصريون : مصر لن تكون إيران أخرى

قد يمنع التزوير في الانتخابات المصرية، لكن لا أحد يستطيع منع تأثير العصبيات والقبلية والتلاعب بالشعارات الدينية في التأثير على إرادة الناخبين.

ميدل ايست أونلاين

القاهرة – من محمد الحمامصي

هل يمكن بناء الدولة بالدين؟

كانت إيران وثورتها حلما وأملا ونموذجا لكثير من قادة الجماعات الإسلامية في مصر خلال العقود الثلاثة من القرن العشرين وربما لا تزال، خاصة بعد انقلابها على النموذج التركي واستبعاده النموذج الباكستاني، وإذا كانت المؤشرات الأولية للاستعداد للانتخابات البرلمانية المصرية التي ينتظر إجراؤها 28 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، تكشف عن اقتراب وصول الإسلاميين لحكم مصر، فجماعات كالإخوان المسلمين والسلفيين والجماعة الإسلامية تمتد تحالفاتها إلى خارج الإطار الذي يجمعهم إلى أحزاب وأفراد مستقلين، وتستخدم الشعارات الدينية وتملك نفوذا ماليا مغريا فضلا عن العنف الذي تمرست عليه لسنوات طويلة طويلة، الأمر الذي يحسم الانتخابات لصالحهم وصالح حلفائهم وسط ضعف وتردي حضور الأحزاب الأخرى القديم منها والجديد، لذا فالسؤال الذي يفرض نفسه ماذا هم فاعلون في حال تشكيلهم الحكومة وصياغة الدستور والمجئ برئيس إن لم يكن منهم فعلى الأقل ليس مختلفا معهم، هل يمكن أن يتبنوا النموذج الإيراني؟ هل تتحول مصر إلى إيران أخرى؟، قد يرى البعض استحالة ذلك ويطرح نماذج آخر بخلاف النموذج الإيراني كالباكستاني والسعودي، لكن يظل النموذج الإيراني هو الأقرب لأسباب كثيرة منها أن لإيران حلفاء بين قيادات هذه الجماعات، وأن التغلغل الإيراني في مصر استطاع خلال العامين السابقين أن يكسب أرضية قوية في ظل تصاعد عدد المنتسبين للفكر الشيعي للمليون ونصف المليون بعد اختراق الجماعات الصوفية بدءا من علاء ماضي أبو العزائم، شيخ الطريقة العزمية المعروف بقربه منها، هذا فضلا عن استعداد النظام الإيراني الدائم لإعلان دعمه ومساندته للقوى الإسلامية.

على أية حال طرحنا السؤال على عدد من المثقفين: هل تتحول مصر لإيران أخرى بعد وصول الإسلاميين لحكمها؟

أقرب إلى النموذج الباكستاني

اشرف الصباغ

المحلل السياسي والأديب أشرف الصباغ أكد أن مصر لن تتحول إلى إيران في أي حال من الأحوال، وقال “لأن النموذج الإيراني غير قابل للتكرار بنتيجة عوامل تاريخية خاصة بالداخل الإيراني وبوضع إيران الدولي. نموذج إيران شبيه بالنموذجين السعودي والإسرائيلي غير القابلين للتكرار أيضا. ولكن النموذجين القابلين للتكرار هما النموذجان الباكستاني والتركي. ومصر أقرب إلى النموذج الباكستاني بعد انهيار ليبيا وإمكانية تحولها إلى أفغانستان أو عراق جديدين إضافة إلى الوضع الملتبس في السودان ووجود خلايا حزب التحرير الإسلامي التي تعمل بشكل رسمي تحت رعاية الحكومة السودانية.

إن مصر خلال السنوات الثلاثين المنصرمة فقدت الكثير من مقومات التقدم على عكس كل من إيران وتركيا اللتين قامتا بجهود كبيرة للحاق بركب العالم المتقدم تكنولوجيا وعلميا واجتماعيا. وبالتالي قد يكون النموذج الباكستاني هو الأقرب”.

ورأى الصباغ أن الدور المصري محاط بالغموض وبمشاكل الماضي والحاضر في ظل ما يجري داخل مصر نفسها من جهة، وحصارها بالأحداث الليبية وبما قد يستجد في ليبيا من جهة أخرى. هذا إضافة إلى دفع مصر إلى مواجهات إن لم تزد من ضعفها فقد تدفعها إلى أحضان قوى إقليمية تطمح لأدوار بديلة لدور مصر، وتعيد القاهرة من جديد إلى نفس دورها في فترة حكم مبارك. هكذا تحاول واشنطن الاستفادة من التغيرات في المنطقة عن طريق ترميم الباب العالي (تركيا) القديم وتجديده.

ماذا لدى مصر من عناصر القوة الكامنة: الاقتصاد والتاريخ والجغرافيا والتكنولوجيا والسياسة والقوة العسكرية الحقيقية؟ ماذا لدى مصر من عناصر القوة الفعالة أو المؤثرة: الإرادة السياسية والعقلية الإستراتيجية والتخطيط الاستراتيجي طويل المدى؟ إن حاصل ضرب مجموعتي العناصر هذه ببعضها البعض هو القوة التي تمنح الدولة دورها الإقليمي الذي يضعها على طريق دور دولي يحقق مصالحها القومية والوطنية.

وأضاف أن موضوع الانتخابات البرلمانية في مصر مثير للتساؤلات من حيث إمكانية إجراء الانتخابات في موعدها من عدمه. ومثير أيضا في حال تمت مقاطعة هذه الانتخابات وترك تيار الإسلام السياسي مع بقايا الحزب الوطني تحت رعاية المجلس العسكري يخوضان هذه الانتخابات. ولا يمكن أن نتجاهل الدعوات الموجهة لمقاطعة الانتخابات باعتبارها خطوة تمثل وضع العربة أمام الحصان.

وشدد الصباغ أن الانتخابات قد تجري بالفعل، ولكنها لن تأتي بالإخوان المسلمين على غرار ما جرى في تونس وبنفس الزخم، لأن بقايا الحزب الوطني سيشكلون القوة الوحيدة التي ستنافس الإخوان وبمباركة من المجلس العسكري (والغرب، وبالذات الولايات المتحدة) الذي لا يريد لأي من القوتين الانفراد بالساحة السياسية، ولكنه في الوقت نفسه يعول على وجودهما، سواء في البرلمان أو في السلطة.

هذان التياران تحديدا سيساعدان المجلس العسكري على البقاء في السلطة بأشكال مختلفة وبإحكام قبضته على مفاصل معينة في الدولة. وسيكونان ركيزة النظام العسكري في مواجهة قوى اليسار أو الليبراليين، وصمام الأمان لإزاحة البرادعي وقطع الطريق عليه أو على أي قوى تابعة له للوصول إلى السلطة.

وقال “في كل الأحوال لن تنزلق مصر إلى النموذج الإيراني لأسباب خاصة بتركيبة الدولة المصرية تاريخيا، وبتركيبة المجتمع المصري. ولن تسمح

القوى الدولية ولا الإقليمية بذلك. ولكن قد يرى الغرب والولايات المتحدة أن تحول مصر إلى باكستان أمر مفيد للحفاظ على مصالحهما. بينما تفضل قوى إقليمية هذا النموذج للتخلص من النفوذ المصري والقفز على مصر سياسيا واقتصاديا وعسكريا”.

مماينة ونفاق

حمدي أبو جليل

الروائي حمدي أبو جليل يتمنى وصول الإسلاميين للحكم، وقال “لن نتخلص منهم ومن تخلفهم واستبدادهم إلا لو وصلوا للحكم، لن يعرفهم الناس ـ للأسف ـ إلا إذا جربوهم ، وما يطمئن أن مصر ليست إيران وليست السعودية، مصر قلب العالم بدون أي مبالغات، وما تملكه تشاركها فيه الإنسانية عموما، وما يطمئن أكثر فشلهم ـ الإسلاميين ـ أينما نظرت حولك في السودان وفي أفغانستان وفي حماس، ثم إن النظام الذي أزاحته الثورة لم يكن ضدهم، بالعكس هو على مستوى الجوهر إسلامي منذ مؤسسه جمال عبد الناصر الذي كان عضوا في الإخوان المسلمين!.

ومن هنا أنا سعيد بظهورهم المكثف في وسائل الإعلام، وأتمنى أن يظهروا أكثر وأكثر، فأبلغ وسيلة لكشفهم هي كلامهم نفسه”.

ورأى أبو جليل أن ما حمله برنامجهم من تبني الدولة المدنية “يعتبر من نفاقهم، الفكرة الأساسية بل المقدسة لديهم ضد الدولة المدنية القائمة على التنوع والتعدد وقبول الآخر، السلفي مثلا، السلف الحقيقي يعتبر أي نظام مدني دنس لا يجب الاقتراب منه فما بالك بالمشاركة فيه؟”.

ويؤكد أن مصر لن تكون إيرانا “مصر تشل العالم بأسره لو تحولت إلى إيران وما تراه من “مماينة” من الإسلاميين الآن يرجع لأن مصر ليست إيران، وصدقني لن يأتوا بجديد، النظام السابق كان في جوهره إسلامي، ارجع إلى إعلامه مثلا. الأدق لن يمكنهم القيام بأي جديد والشعب الذي أزاح وجههم الآخر ـ مبارك وأعوانه ـ قادر على إزاحتهم ولن يزيحهم للآسف إلا لو اصطلى بنارهم”.

مآل الثورة لم يتقرر بعد

فريد أبو سعده

ورأى الشاعر فريد أبو سعده أن أسوأ ما حدث أن الثورة الفريدة لم تصنع لها رأسا، لقد أطاحت برأس النظام ولم تصل إلى السلطة، وظلت السلطة القائمة ـالمجلس العسكري ـ تابعة للنظام القديم وسياساتها هي الترميم لا التغيير، وأضاف “لقد صرنا بين سطوتين: سطوة المجلس العسكري الذي يمارس وصايته على الثورة بعد أن تقدم كحارس لها، وسطوة يمارسها الإخوان والسلفيون باسم الدين، والجميع متوجسون من الجميع، والسؤال هو أي النماذج في المنطقة ستعيد القوى المهيمنة استنساخها : الأفغاني، الإيراني، أم الباكستاني أم التركي ؟ وقد أظهرت مسودة “السلمي” بموادها 9 و10- على وجه الخصوص- ميل المجلس للنموذج التركي، حتى أن البعض رأى في الوثيقة مشروع انقلاب عسكري !إن الاعتراضات العنيفة من كل القوى لا ترشح نموذجا كالنموذج الإيراني، وبالأحرى لا يمكن الكلام عن ولاية الفقيه، أو نموذج طالبان”.

وقال أبو سعده “مصر دولة مدنية وما نراه من في المشهد السياسي من تقلصات السلفيين، أو الانتهازية السياسية من الإخوان، أو حتى عدم تحالف الليبراليين في مواجهة الأزمة. كل هذا يؤكد أن مآل الثورة لم يتقرر بعد، وأن المصريين مقدمون على تجربة – ربما مؤلمة – لكنهم سيتعلمون خلالها معنى الديموقراطية. وسيدرك المتأسلمون قبل المصريين أن المسألة ليست نقصا في التدين يمكن جبره (على طريقة الإسلام هو الحل) فتصبح مصر دولة عظمى، المتأسلمون بكل تياراتهم تكفيهم دورة أو دورتين ليخذلوا الأمة، الأمة التي نشأ فيها الضمير – على رأى بريستيد – قبل آلاف السنين. الأمة البرغماتية التي تعتقد في (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا. واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا) وتنطق أمثالها هذه نقرة وهذه نقرة”.

حائط صد أمام النموذج الإيراني

أحمد طوسون

ورأى القاص والروائي أحمد طوسون أنه لم يتم تمهيد التربة لإجراء انتخابات حرة تكشف عن إرادة حقيقية للمواطن المصري في اختيار ممثليه.

وقال “قد نمنع التزوير المادي الذي شكل ظاهرة في تاريخ الانتخابات المصرية، لكننا لن نستطيع أن نمنع تأثير العصبيات والقبلية ورأس المال والتلاعب بالشعارات الدينية في التأثير على إرادة الناخبين!، قد نضمن النزاهة لكننا لم نكفل نظاما انتخابيا ميسرا يساعد على عدم إهدار أصوات الناخبين ويساعد على سلاسة أداء العملية الانتخابية، كما أننا نفتقد البدائل في كثير من الدوائر بعيدا عن العواصم الكبرى.. فقد يختار الناخب مرشحا لأنه لم يجد بديلا أفضل وهو قصور يشوب اختيار الناخبين لمرشحيهم ويؤثر فيها”.

ولفت إلى أن كثيرا من أوجه القصور قد نرصدها في الانتخابات القادمة “لكن لست مع المراهنين على اكتساح تيارات الإسلام السياسي لنتائج الانتخابات برغم أن تقسيم الدوائر بدا وكأنه صنع خصيصا ليكتسح الإسلاميون المشهد”.

وأضاف “الشخصية المصرية الوسطية تقف حائط صد أمام تكرار النموذج الإيراني في مصر.. المواطن المصري متدين بالفطرة وأفقه في دينه من كثير ممن يدعون احتكارهم لفهم الإسلام وحصره في الإسلام الوهابي.

ورهاني الشخصي على وعي المواطن البسيط الذي أعرفه، ويعرف أن مصر كانت وستبقى الدولة العربية والإسلامية الأهم في المنطقة وأن الدين الإسلامي لا يعرف ما يسمى بالدولة الدينية وأن دولة القانون لا تتعارض مع الإسلام ومبادئه السمحة”.

وافترض طوسون السيناريو الأسوأ والذي تميل إليه غالبية المراقبين وهو استحواذ الأخوان مع التيارات الدينية الأخرى على الغالبية في البرلمان القادم وتشكيل الحكومة، ورأى “أنه لا مشكلة عند كثيرين حتى وإن آتى الإخوان أو غيرهم بانتخابات نزيهة إلى الحكم، الإشكالية في أن يعتقد من سيشكل غالبية البرلمان القادم أنه سيشكل غالبية اللجنة التي ستضع دستور مصر الجديد.. الغالبية مهمتها أن تُشرع وتضع القوانين وفق الدستور الذي لابد أن يتوافق عليه كافة أطياف المجتمع وفئاته.. الدساتير تضع مبادئ إنسانية أساسية مشتركة لحماية حقوق من لم يحصلوا على الأغلبية وحقوق الإنسان وقواعد المساواة والعدالة والمواطنة والأقليات، ويجب عند وضع الدستور الجديد مراعاة التنوع الثقافي المصري الثري ومشاركة كافة القوى الوطنية بتنوعاتها على قدم المساواة، فلا يعقل أن تشرع الأغلبية لنفسها وتضع الدستور الذي سيمنع تغولها على من لم يرتقِّ سلم الحكم”.

وأوضح “أشد ما أخشى منه أن يعتقد أحد بإمكانية الاستئثار بالمشهد وإقصاء الآخرين تحت دعاوى نتائج صندوق الانتخاب.. ساعتها لن تكون المخاوف قاصرة على التحول إلى النموذج الإيراني، إنما التخوف الأكبر أن تقودنا الانتهازية السياسية إلى صراع داخلي لا ينتهي بين قوى المجتمع المختلفة”.

فارق كبير بين الثورتين

محمد خليل

ولفت الأديب محمد خليل أن توقعات مقاعد الإسلاميين في البرلمان القادم لا يستطيع أحد أن يتنبأ أو يتكهن بها حتى الإسلاميين أنفسهم لأسباب منها “أولا: تجربة برلمان الـ 88 مقعدا عام 2005 والتي كان الشعب وراءها بمنتهى القوة، وينتظر منها حدوث تغييرات لصالح الفقراء والمعدمين بعد المساندة الجبارة للوصول إلى هذا الرقم، ولكن للأسف لم يستطع الإخوان أن يحدثوا التغيير المنشود ويحققوا بعض أمنيات الشعب حتى ولو بموقف سياسي كبير كترك البرلمان مثلا احتجاجا على تصرفات النظام وقوانينه وألاعيبه، لكن لم يحدث شيئا من ذلك، ولذلك لم يقف الناس موقفا جادا مع الإخوان في الانتخابات المزورة في الدورة التي تلت ذلك مع وقائع الغش والتدليس والتزوير الذي قام به النظام بغباء سياسي في اتجاه التوريث وتحقيق مصالح رجال الأعمال وغيرهم من المنافقين والكذابين وغيرهم من الطفيليين الذين كانوا يشكلون (المخزون) الرئيسي للبرلمانيين والمجالس المحلية للنظام عند الحاجة”.

ثانيا لأن الإسلاميين مختلفين فيما بينهم وكل منهم يعتبر توجهاته الأكثر صدقا وملائمة وخارطة طريق للنجاح “وهذا هو الظاهر”، لكن ربما يكون هذا الاختلاف يصب في غير مصالح التيار الإسلامي، وبالتالي لن يحققوا أكثر من 20% من مجموع مقاعد البرلمان، باعتبار أن باقي الأحزاب والتكتلات والائتلافات والفردي الجديد وفلول الوطني المدعومة بالقبليات ليست داخلة لتزجية الوقت، والجميع يسعون للحصول على نصيبهم من غنائم الثورة. أيضا قد تكون الجماعات الإسلامية من الدهاء السياسي بحيث يلعبون لعبة الشقاق والتناحر بغية تحقيق أكبر عدد من أعضاء البرلمان الذي يمكنهم من تشكيل الحكومة لإقامة الدولة الدينية التي لو حدثت فلن تسكت عنها باقي القوى والتي في هذه الحالة لن ترضى الجميع ولن تحقق طموحات الشعب، وبالتالي ستعيدنا إلى بدايات ثورة جديدة لا أحد يتكهن بما يمكن أن تصل إليه نتائجها.

أما عن تشكيل الحكومة في حالة الفوز بالأغلبية، فلا أعتقد أنهم سيتفقون على قيام الدولة الدينية التي من المفترض أنهم يعرفون جيدا أن عمرها سيكون قصيرا جدا وضد التطور الطبيعي وسنة الله التي أودعها في خلقه لتطور هذا الكون كما قلنا عند الحديث عن الدولة الإيرانية، وسوف تظهر خلافات كبيرة بين الإسلاميين وبعضهم البعض وستتفق باقي الأحزاب لتكوين تكتلات داخل البرلمان تواجه بها الإسلاميين لعدم التمكين من التوجه نحو قيام دولة دينية.

ثالثا نسبة الوعي وثقافة التنوير الآن أصبحت عالية جدا حتى بين غير المتعلمين أو الأميين بالحس الفطري المصري، وبذلك ستجد جميع الناس يفكرون ألف مرة قبل أن يقرروا من يفوز بأصواتهم حتى لو قبضوا ثمن هذا الصوت.

وأكد محمد خليل أن الثورة المصرية ليست الثورة الإيرانية، وطبيعة الشخصية المصرية تختلف اختلافا جوهريا عن طبيعة الشخصية الإيرانية، “هناك فرق كبير بين الثقافتين وبخاصة الثقافة الدينية التي هي أساس للثقافات الأخرى، فالثورة الإيرانية التي أطاحت بالنظام الملكي للشاه محمد رضا بهلوي عام 1979 وجاءت بالمعارض المنفى الإمام آية الله الخميني تختلف تماما عن ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011 التي قام بها شباب مصر “المعجونين” بمصريتهم والذين فاض بهم الكيل، فأشعلوا فتيلها ثم احتضنها المخلصون من جميع أبناء الشعب وأججوها وحماها جيش مصر، إذن دوافع الثورة الإيرانية كما هو معروف قيام الدولة الدينية التي قادها الخميني وملاليه والقائمة حتى الآن، والتي تنتظر انفجار شعبي يرفض الخنوع للجمود والخوف الذي يعيش فيه، حيث يعانى الشعب الإيراني من “كتمة نفس” حادة وبحاجة إلى التنفيس، وهذه خيبة القادة والزعماء والرؤساء والملوك الذين يتصورون أنهم بعد التمكن من السلطة قد قبضوا على كل عقول الناس، وهيمنوا على مقدراتهم، وهى في حقيقة الأمر أول المقدمات التي تجعل الانفجار الثوري ضرورة إنسانية طبيعية.

ويراهن محمد خليل على أن مصر لن تتحول إلى دولة دينية بمفاهيم جامدة لا تتوافق مع سنة الله في كونه من حيث التطور الطبيعي كما حدث في الدولة الإيرانية ولن تستطيع أي جماعة إسلامية مهما عظم شأنها أن تحقق هذه الدولة بمفاهيم تختلف عن صلب وجوهر الشريعة الإسلامية الوسطية.

ولا عزاء للمثقفين

وقال المترجم والشاعر عبد الوهاب الشيخ “في الجمعة قبل الماضية صرح أنصار صلاح أبو إسماعيل في الميدان أنهم قد استغرقوا 6 ساعات لإقناعه بالترشح لرئاسة الجمهورية، وتلك مدة قياسية لصناعة زعامة، كما أكدوا على استخدامهم للديمقراطية لأنها الخيار المتاح وأن قناعتهم الفكرية لا ترضى بالبيعة بديلا ودعوا الحاضرين لبيعة أبو إسماعيل في الميدان”.

وأضاف “هذا ما سيحدث بالفعل بصفتي صعيديا يرى الأمور بعيدا عن الفضائيات والأحاديث المتلفزة يبدو أن التيار الإسلامي سيحصل على الحصة الأكبر من الأصوات لا باعتبار أعدادهم الكبيرة بل باعتبار استنادهم إلى قاعدة عريضة من الشعب الذي يؤثر فيه الخطاب الديني بالدرجة الأولى. وقد ساهم ابتعاد الحركات الثورية والشباب الثائر عن الصعيد والأطراف واكتفاؤهم بالحديث في القاعات المكيفة في إخلاء الساحة أمام التيارات الدينية رغم ارتفاع أسهم الشباب على الأقل خلال الشهور القليلة التي أعقبت الثورة . نعم سيصل التيار الديني للسلطة كما حدث في إيران وكما حدث هناك سيسارع بإعلان رفضه للديموقراطية واكتسابه الشرعية من النصوص الدينية فحسب والتي ستكفل له تأييد شرائح عديدة من الشعب المصري، ولا عزاء للمثقفين!

 
أضف تعليق

Posted by في 9 نوفمبر 2011 in أخبار ومتابعات

 

“أحلام السيد كتاب” ضمن مشروع مكتبة الأسرة الأردني


“أحلام السيد كتاب” ضمن مشروع مكتبة الأسرة الأردني
أعلن أمين عام الوزارة بالوكالة مدير المركز الثقافي الملكي محمد أبو سماقة انطلاق الدورة الخامسة لمشروع مكتبة الأسرة الأردنية(القراءة للجميع)، السبت التاسع والعشرين الجاري، بالتزامن في كل محافظات المملكة.
عرّف أبو سماقة بالمشروع رياديّاً، وطنيّاً، تشرف عليه لجنة وطنيّة يرأسها وزير الثقافة، انطلق عام ألفين وسبعة، بإصدارات في كل المعرفة والأدب والفن والتراث، تُتاح لجمهورها بأسعار رمزيّة لا تتجاوز 35 قرشاً في حدودها العليا، القصد منها حفز المجتمع الأردنيّ كلّه: مثقفيه وكتّابه، على القراءة، بل دفع العائلة الأردنية بكل أعمار أفرادها واهتمامات أبنائها إلى مطالعة الكتاب الورقيّ وتبيّن فوائده؛ خصوصاً والمشروع، كما قال أبو سماقة، بستانٌ تتنوع مفرداته في حقول: الدين والفكر والعلم والفن والإبداع المحلي والعربي والعالمي والتراث والمهارات الحياتية والتاريخ والعلاقات العامّة الأسرية وعلم النفس والسير والتراجم العربية والعالمية وأدب الطفل، وما إلى ذلك، باختيار لجنة درست فائدة هذا التنوع وتأثيرها في الأسرة الأردنية تحديداً، ليكون الكتاب صديقاً لكل أفراد العائلة.
وقع اختيار اللجنة المشكلة على كتاب الأطفال” أحلام السيد كتاب” للأديب أحمد طوسون والصادر عن دار روائع مجدلاوي 2010 ضمن كتب المشروع.
الكتاب سبق وحصل على منحة “اكتب” لأفضل عمل إبداعي عربي للأطفال من مؤسسة محمد بن راشد.
كتب المهرجان شملت: الثورة العربية الكبرى(نقولا زيادة وآخرون)، خمسة أعوام في شرق الأردن(الأب بولص سلمان)، التراث المعماري في الأردن/ السلط(الجمعية العلمية الملكية)، مملكة الأنباط(خالد الحموري)، تاريخ الأردن السياسي المعاصر(سليمان الموسى).
في التراث العربي والإسلامي: أدب المهجر(عيسى الناعوري)، الأذكياء(ابن الجوزي)، العرب والمسلمون في الأندلس بعد سقوط غرناطة(ترجمة حسن الكرمي)، إمارة الكرك الأيوبية(د.يوسف غوانمة)، 65 عاماً من حياة امرأة أردنية(نجمية حكمت).
في الفكر والحضارة: موسوعة المستشرقين(عبد الرحمن بدوي)، أن تكون مسلماً(الحسن بن طلال)، الجمهورية المدينة الفاضلة(أفلاطون)، الفكر السياسي في الأردن: د.علي محافظة، التكوين التاريخي للأمة العربية(عبد العزيز الدوري).
في الأدب الأردني: القصة الطويلة في الأدب الأردني منذ عهد الإمارة حتى منتصف السبعينات(د.محمد العطيات)، رواية القرمية(سميحة خريس)، عائشة الباعونية/فاضلة الزمان(د.محمد الصويركي)، ديوان عرس البويضا(عبدالله العكشة)، ظل غيمة/مختارات شعرية(حكمت النوايسة)، عنقود حامض/قصص(يوسف ضمرة)، شاعر الأردن عرار(البدوي الملثم).
في الأدب العربي والعالمي: وداعاً أيها السلاح(آرنست همنغواي)، أرض النفاق(يوسف إدريس)، ظل الغيمة(حنا أبو حنّا)، مرتفعات وذرنغ(إيميلي برونتي)، المطر الأصفر(خوليو ياماثاريس)، بيت أندلسي(واسيني الأعرج)، ذات مساء(ترجمة د.باسم الزعبي).
في كتاب الطفل: المشجع الرائع: (سناء الحطاب)، أنين الأقصى(فداء الزمر)، عجول الفضاء(دار سفير الدولية)، نزهة المليون سنة(دار سفير الدولية)، لن أنساك أيتها الأرض(دار سفير الدولية)، أحلام السيد كتاب(أحمد طوسون)، ملك الأصوات(فلورا مجدلاوي)، السلوك الحكيم(ريا الدباس)، البرعمة(د.شوكت إدريس)، انطلق بسرعة الضوء(رمزي الغزوي).
في الفنون: أغانينا الشعبية الأردنية(د.هاني العمد)، الحرف اليدوية التقليدية الأردنية(د.خليل طبازة).
وفي العلوم: الحمل(د.زيد الكيلاني)، المبادئ الأساسية لمشاريع إنتاجية زراعية(المهندس أيمن المومني).
وفي الثقافة العامة: الرحلة الملوكية للشريف الحسين بن علي من مكة إلى عمان، الأمير
(نيقولا ميكافللي)، دليل السلامة والوقاية المنزلية(مديرية الدفاع المدني)، الثقافة العربية وتحديات العصر(د.فيصل غرايبة)، جواب السائل عن الخيل الأصائل(الملك عبدالله الأول ابن الحسين).
 
أضف تعليق

Posted by في 31 أكتوبر 2011 in أخبار ومتابعات